
في فَلَكِ الكِبارِ دُرنــا ، وحول مداراتهم الإجْبَاريّـةِ سِرنـــا ، وتحت وطء ونيِـر ِ جاذبيتهم الشديدة ، دُرنا حول أنفسِنا، وفقدنا هويتنا ، وببطءٍ تحولنا إلي كياناتٍ تابعــة ، واخْتلطت هوياتنا وسط طوفانِ الأيام الذي لا يهدأ ، ولا ينفك يلعب لعبته الأثيرة ، في تحِويلنا إلى عرائسِ ( ماريونيت ) نَجِيبة ، يحركها الآخرون ، ويلهون بهــــــا دهرًا كاملا النجوم الكبيرة التي أغرقتنا ، و ألبستنا ثوبَهــا المرمريّ ، تغزل أطرافَـهُ حول أعناقِنا ، وتحيط كفوفِنـا بأغلالهــا الذهبيةِ المطرزة. لقد قررت الكويكبات الصغيرة ، أخيرًا ، أن تخرج عن فَلَكِ المألوف ، وتصنع لنفسِها قوانينها الخاصة ، ومداراتهـا المستقلة ، ولسوف تملك الأقمار كي تنيرَ لها الطريق ، والجاذبية كي تبهر تلك الثقوب السوداءِ القاتمة ، التي أوشكت يومًا ما علي ابتلاعها . إنه الجيل الجديد الذي يتكون ببطءٍ في رحم الكون ، لقد شدّ طرف الخيط المغزول ، فانهار الطوق كله ، وانطلق غيرُ آسفٍ على العالم الذي تركه ، سعيدًا بحريتهِ ، مقدسًــا لهــا . لقد صنع عالمه الخاص ، بوتقته الخاصّة ، أثوابهُ الجميلة ، يغزل خيوطها في حبٍ ، ويزينها برتوشِه وألوانه المزركشة ، يعرضها في فتارينه البراقة ، فيتجمع حوله الشباب من كلِّ بقاع الأرض . إنه الجيل صغير السن ، عظيم الموهبة ، بديع الأفكار ، سويّ الاتجاهات ، يصنع عوالمه الخاصة ، لكن أغلب الكبارِ لا يلحظون شيئًا ، ومن يلحظ يتحدث عن ( لعب الأطفــال ) الذي لا ينفك يصدع رأسه بحماسه الزائــد ، قليلون من يهتمون ، نادرون من يقيمون . ووسط تلك النجوم الصغيرة ، التي تصنع مجموعتها الشمسية الخاصة ، ويزداد تألقهــا يومًا بعد يوم ، وتلملم حولها بدورها ثلة من الكويكبات السيّارة العابرة ، اخترتُ أن أتحدث - هذه المرة - عنهــــــــــا ....
*****
هـــى:: داليا إيهـــاب يونس عبد الله
*****
حيث يتجسّد الجمال في في صوّرٍ ومشاهدٍ ، وحكاياتٍ ، وكلماتٍ شاعرة ، وعينٍ مدققة ، تعرف مواطنه ، وتدرك خباياه ، وأصابع نشيطة ، تتراقص فوق الـ( كي بوورد ) كي تدوِّن لحظات الحياة الآثرة ، في هذا العالــمِ الذي يندر فيه الجمال ، أو كاد أن ينعدم . البراءة ، الصّدق ، البهـــــاء ، البساطة ، والروح الحالمة الشاعرة التي تطَّلع علي هذا العالم ، بمنظار التوحد ، والحب ، والصفاء النفسي البليغ ، الذي يصل في بعض الأحيان إلي مرتبة الملائكية ، هذه هي : داليا إيهاب يونس. أديبة شابة ، واعدة ، كان ظهرورها الأول - بالنسبة لي علي الأقل - عبر صفحات عالم ( المحاربين الجدد ) الذي يقدمهُ الأب الروحــــــي لجيلنا الجديد ، د/ أحمد خالــــد توفيق . شاركت في العديد من المنتديات ، وإن كنتُ أعتقد أن منتدي ( روايات التفاعلية ) هو أولها . فازت في العديد من المسابقات ، وليست مسابقة ( ديوان العرب ) هي آخرها . وإن انتهي بها المطاف حتي الآن ، إلي عالم المدونات حيث تقدم مدونتها الرائعة التي كسرت حاجز الأرقام القياسية في عدد زوارها ، وسقط السيرفر الخاص بها أكثر من مرة بسبب تعدي الردود والمشاركات الحد المسموح به . هي المدونة التي ظلّت فترة طويلة جدًا هي صفحتي الرئيسة ( في مملكة جيرالدين ) ، " التي تجعل الصحراء أصغر ، والقمر أكبر " وبهذه الجمله الموحية جدًا ، تلخص ( داليا يونس ) فلسفتها ، ورسالتها التي تود أن تصل للآخرين . هناك ، كنتُ أقضي أجمل أوقاتي ، أغوص في هذا العالم الرحب الجميل ، الذي يقدم فلسفة الجمال والحب والسلام . عالم جديد ، وحياة جديدة ، تقدمها أديبتنا الطبيبة ( بالإرغام ) الواعدة جدًا . *** ولماذا ( جيرالدين ) تحديدًا ؟ تقول داليا : إنه إسم فرنسي شيوعًا.. جرماني أصلاً.. وهو مؤنث لاسم Gerald.. والذي يعني - تبعًا لقواميس الأسماء الجرمانية- "التي تحكم وتملك بسهم" !وهو في الوقت نفسه أسم ملكة من ملكات " ألبانيا " تقول عنها داليا : ( تأمل معي تلك الرقة الغريبة المشعة من وجهها.. رقة حزينة غريبة جدًا فتنتني منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها.. والاسم ذاته موسيقي ساحر ) . إذن فأديبتنا تبحث عن الرقة ، والقوة معاً ، قوة الباطن متمثلة في معني الإسم اللغوي ، ورقته وجاذبيته في نطقهِ ، وفي رمزه لملكة ألبانيا ، عام 1938 تقريبًا . وببطء ، وكما سنكتشف معًا ، نجد أن هذه هي سمات أدب ( داليا يونس ) ، القوة في المعني ، والبساطة في التقديم ، فيتكون لدينا ببطء مزيج ساحر من الكلمات الممزوجة بدقة ، وبموهبة واثقة ، لتقدم لنا عالمها ، وذاتها الخاصة .
*****
هي ::
ولدت ( داليا يونس ) في القاهرة في الخامس من يونيو عام 1986 في مستشفي الدكتور (سمير يونس ) وهو عمها بالمناسبة ، إذن ، تاريخ 5 يونيو يحمل انتصارًا جميلاً في عالم الأدب الإنساني الحالم ، علينا أن نتذكر هذا إلي جانب ذكرانا السيئة عن نفس التارخ قبل أن تولد داليا بأكثر من ثلاثين عاما . نشأت داليا ، وسط عائلة طبية ، فوالدها هو الدكتور " إيهاب يونس " أستاذ الجلدية والتناسلية في كلية الطب جامعة ( بنها ) ، ووالدتها طبية مخ وأعصاب ، وأختها تدرس الأسنان في جامعة MSA. بالإضافة إلي هذا هي عائلة مترابطة جدا ، مثقفة طبعا كما هو واضح ، وتملك أسلوب حياة خاص بها ، تفرضه علي جميع من ينتمي لهذه العائلة الكبيرة ، وكان لهذه البيئة تأثيرها البليغ علي روح وكيان الطفلة الواعدة ، التي تتكون مفاهيمها عن الحياة ببطء ،العالم جميل ، ويستحق أن نحياه ، ولكل إنسان حياته الخاصة ، التي تمتزج مع الحيوات الأخري لتصنع حياة جديدة متكاملة ، مترابطة . وداخل عالم ( داليا ) الصغير ، الممتلئ بأحلي المعاني ، المثقف جدا ، والواعي جدا ، كانت تتداخل بعض المعاني الحزينة ، ربما هي ضربات الأقدار التي كانت تلحظها في محيط عائلتها ، ربما وفاة أحد أقاربها، أو حدث مؤسف يحدث ، وإن كان الموت يسيطر كثيرًا علي كثير من بداياتها . هذه نقطة هامة جدًا ، هذه الروح الجميلة البريئة قد رأت الكثير ، وتعي أكثر. للموت تداخلات كثيرة في حكاياتها ، فبين أن يكون اقترابه أحد اسباب السعادة ، للشعور باهتمام مفقود ، أو يكون الخلاص من مشكلة مصيرية تواجهها ، أو نهاية تراجيدية لعالم جميل ، يترك أصداءه في النفس أبد الدهر . وللموت - كذلك - العديد من الرموز لديها ، فهو قد يصيب المعاني ، فتكون نهاية معني أو حلم في نفسها صورة لموت جانب من روحها ، أو من عالمها ، أو من مشاريعها الطموحة ، وأحلامها .
*****
هي ، في خيالها ، وخيالهم ::
تتنوع الشخصيات التي تقدمها ، وإن كانت جميعًا ، تعكس جوانبًا ما مما يعتمل بأعماقها ، فهي أحيانًا شخصية حالمة رومانسية تصطدم بقسوة الواقع ( ستة أشهر معطرة ، المشهد المعتاد ، مكالمة العصفورة ، سأقتلها حتمًا.. سأقتلها بالتأكيد! ، ضحكة دامعة ، ....... إلخ ). أو شخصية حالمة تري العالم بعيون ناعسة جميلة ، فتستخلص فلسفتها الخاصة ، وترصد لحظات جمال هذا العالم القبيح ( فراشة في غرفتي ، مكاتيب فيروزية ، قبلة في عمارة من الطوب.. ، ..... إلخ ) وأحيانًا أخري تلعب دور المتفرج علي العالم ، فكأنها تتابع مسرحية أو فيلمًا في السهرة ، ثم تكتب خواطرها عما رأته - وإن كنت أعتقد أن هذا هو أضعف أساليبها - ( حزن البلّور ، شباكك فل ، عيون.. وعين جديدة جدًا ، ..... إلخ ) ولا تخلو حكايات داليا يونس وشخصياتها ، من الشقاوة ، والمرح الطفولي ، وبراءة العبث ، وجماله ، وحميميته كذلك ، ( كن خطيبي ! ، عملية إنقاذ أوتوبيسة ، ..... ) إذا جمّعنا شخصيات ، داليا ، وحاولنا أن نفهم من خلالها تلك الإنسانة التي تتحدث ، سنعرف على الفور هذه الروح الطيبة ، التي لم تلوث بعد ، واتي تحاول نقل نقاءها ، إلى من حولهـا ، كي تساعدهم علي العيش بصورة أفضل، وهى نفس فلسفة ( بنتام ) (Bentham ) حين قال جملته الشهيرة ( يجب أن نبذل كل طاقتنا لنجعل أكبر قدر ممكن من الناس سعداء ) . هدفهــا أن يخرج القارئ من عندها ، أفضل حالاً ، وأقدر علي مواصلة حياته ، شاعرًا بالجمال ، والحب ، والأمل . وهو لعمري ، أسمي مراتب الفن ، وأعلي منازل الإيمان
*****
علي أبواب المملكة ::
هناك أشخاص مختلفون ، هذه حقيقة نعرفها جميعًا ، حينما تحدث ( هانز كريستيان أندرسن ) عن البطّة القبيحة ، كان يقصد هؤلاء الذين يحيون في عوالم لا ينتمون إليها . حينما كبرت البطّة ، واكتشفت أنها تنتمي إلي عالم ( البّجع ) شديد الروعة ، القادر على الطيران ، شعرت بذاتها ، وبهدف وجودها ، وانتمت - أخيرًا - إلي العالم الذي حُرمت منه كثيرًا ، واستطاعت أن تشعر بروعة الإختلاف . أعتقد أن علينا أن نبحث عن ذواتنا الحقة ، ونكتشفها ، ونهبها للعالم الذي تستحقه ، كي نشعر بجمال هذا العالم . إن الحياة قاسية فعلا ، وأنت تكشف النقاب - كل يوم - عن مزيد من البثور بداخلك ، هناك من يكشف جرحك ، ويطأه بقدمهِ ، وهو يعبر على مجرى حياتك . وحديث ( جيرالدين ) الملكة ممتع فعلاً ، لمن يصغي إليه ، فهي تحاول أن تشفي البثور والجراح ، ولسوف تعلمك أن تنتهج أسلوبك الخاص ، لتختار الحياة التي وجدتّ من أجلها ، ولا تحيا بقية عمرك مجرد ( بطّة سوداء قبيحة ) . أقبل يا صغيري .. لا تخف ... وسوف تحكي - فيما بعد - لرفاقك ، عن ( جيرالدين ) المذهـــــلة ، التي علّمتك كيف تصطاد ذاتك ... من وسط هذا المستنقع العــــــفن .
*****
معالم المملكة الجديدة ::
(داليا يونس) تملك مفرداتها الخاصة جدًا ، البليغة جدًا ، الحميمية جدًا ، وإن كانت تستقي - في بعض الأحيان - مفردات عوالم " فيروز " أميرة غناء العرب ، فهي تتحدث عن السنونو ، وبيسان ، وتعشق نيسان ، ترحل إلي بيت صغير بكندا ، إلي آخر هذه المفردات الرومانسية ، الجميلة كندف الثلج . هناك العديد من النظريات الفلسفية في الأدب ، نظرية ( الجمال للجمال ) أو ( الفن للفن ) ، نظرية ( رسالة الأدب ودوره ) ، هذا بخلاف اساليب الإسقاطات ، والرموز ، التي تستخدم للبوح بمكنونات نفسٍ لا تجرؤ علي العصيان . وداليا تستخدم كل هذه النظريات والأساليب، ولا تتحيز لفكر علي حساب فكر آخر ، تتخذ كل الأساليب الممكنة ، في سبيل الوصول إلي الهدف السامي ، وهو الشعور بالجمال . وإن كانت في بعض الأحيان تميل لنظرية ( الجمال للجمال ) وتستخدمها بهدف تطهير النفس ، وتنظيفها ، وهو أسلوب يختلف كثيرًا عن أساليب حكايات الرعب التي تستخدم التطهر ، بطريقة ( إخراج السيء) ، فإن التطهر الذي تتبعه هو ( إدخال الجمال ). ففي حكايتها ( قُبلة في عمارة من الطوب ) ، التي تكاد تكون قصّة قصيرة فعلا ، تتحدث عن زوجين شابين ،يسكنا بيتًا جديدًا ، بالمهندسين ، في عمارة لازالت بالطوب الأحمر ، تقبل الزوجة زوجها المحب المتحمس ، في حبٍ ، وهو يحدثها عن مستقبلهما معًا ، هكذا تري الأديبة في هذه القُبلة ، أسمي معاني الحب ، وأبلغ درجات الإخلاص . اقرأ هذا النص ، ثم تعالي وأخبرني عن شعورك ، هذا جمال للجمال ، تطهير للنفس ، ورؤية بديعة للعالم من حولنا . و في حكايتها ( عن لقائي الأول مع الله ) تستخدم أسلوب قد يكون مباشر ، لكنه رقيق ، صوفي ، جذّاب إلي أقصي الدرجات ،لا تستطيع مع نهاية هذه الحكاية إلا أن تهيم في عالم ممتلئ الأضواء ، ملائكي ، يبتعد عن هذا العالم الأسود الذي لا يفهم هذه المفردات ، وتلك الحيوات . جدّة ، تحدث حفيدها عن لقائه بالله - تبارك وتعالي - ومن خلاله تقدم داليا خلاصة فكرها ، ونظرتها الصوفية الجميلة للصلاه ، هنا تتبع رسالة الأدب ، وهدفه ، في أسمى معانيه . وفي ( ضحكة دامعة ) ، تستخدم الرمز والإسقاطات ، فتجربتها في دخول كلية أخري ، بخلاف الكلية التي تتمناها ، بسبب تفوقها ، وبسبب إصرار ورغبة أهلها ، له أبلغ الأثر في روحها الرقيقة . ففي ضحكة دامعة ، يختلط ، حلم بألم ، فرح بأسي .. حلم الكبر ، حلم الدراسة ، حلم تحقيق الحلم . حينما يواجه كل هذا ، أحلام أخري مختلفة ، شريرة أحيانًا ، وعابثة أحيانًا أخري .. قصة رمزية إلي أبعد الحدود ، مأساوبة إلي أقصي الحدود . حينما ، تتوقف الحياة علي لحظة واحدة ، فقط لحظة واحدة ، يتحول فيها قضيب القطار إلي نقطة أخري رغمًا عن السائق الذي لا يملك التحكم في اتجاهات القضبان . فقط عامل السكة الحديد ، هو الذي يوجهه من مكانه البعيد. هنا يتحول الأدب ، لدي داليا يونس ، إلي نوع من الفضفضات النفسية التي نجدها في روشتات الأطباء النفسيين ، إسقاط الحلم ، وإسقاط تهاويم النفس ، وتحويلها إلي أشياء لها بعد ، وطول وارتفاع . هذا لايبخس من جمال المحاولة شيئًا ، بل علي العكس تمامًا ، فالتعابير ، والجو النفسي ، والإيحاءات في أوجها ، تتحقق هنا كل شروط القصة القصيرة كما يوصي بها مدرس اللغة العربية . ولحظة الإنتحار ، في النهاية ،صيغت ببساطة ، واقتدرا ، وتأثير عالٍ جدًا . يوازي هذا ليس انتحار البطلة في الواقع ، ولكن انتحار أحلامها ، انتحار ( هي ) التي كانت تتمني أن تكونها . هذه القصة كعمل أدبي بليغ جدًا ، كلما مررتُ به لا بد أن أقرأه ، وأستمتع به ، فله مذاق خاص في صدري
*****
في دهاليز المملكة ::
أول مانلمحة في أقاصيصها ، هو الجودة ، الدقة ، والأصالة الشديدة ، الأصالة في أفكارها ، وأسلوب حكيها ، هي لاتكرر أحدًا ، ولاتستقي من السابقين ، ولا تعيد أفكار الأخرين . إن ما ينتج منها من نصوص أدبية ، إنما ناتج عن أسلوب جميل في الســـرد ، أفكار خاصة يمكن أن تلحظها ، وتميزها بين عشرات الأفكار ، والحكايات المختلفة . هي تعرف كيف تصنع عالمها الخاص ، وتحيطه بسياجٍ منيع ، ثم تفتح أبواب مملكتها ، إلي كل السائحين من كل مكان . كتاباتها ، معالم سياحية بارزة ، لها رونقها ، وجمالها ، وجودتها ، وأصالتها ، وتفردها ، ورقتها البالغة التي تأسر الألباب ، وبراءتهــا ، التي تصيبك بمجرد أن تنهي آخر كلمة في كلِّ مرة . في كتاباتها ، تهوي ( داليا يونس )، تكسير القوالب الجامدة ، ومحاربة الأفكار الثابتة ، التي تدعي التفلسف، أو التحضّر ، هذا ناتج عن روح الطفلة الكبيرة في داخلها التي لازالت تهوي تكسير الأشياء التي لا تروقها ، ومحاولة إعادة تشكيلها من جديد . فتقدم أفكارها الخاصّة ، المختلفة عما هو متداول ، وبأسلوب يفيد تمامًا موقفها ، ويدعِّم رأيها .
ففي أقصوصتها ( واد جدع ) تقدم رأيها الخاص عن ( عمالة الأطفال) من خلال حكيها عن "تبّاع " طفل لم يتعدي السابعة من عمره ، يقوم بواجباته بكل حزم ، ورجوله لم تكتمل بعد ، وبذات الميكروباص الذي تركبه الراوية ، طفل آخر مع أمه في ذات السن تقريبًا ، تعلمه أمه كيف يتكبّر علي خلق الله ، ويتصرف برقي ، كأنه أفضل من باقي البشر ، وتنطلق المقارنة بين الطفلين في رأس الراوية ، أيهما يستطيع أن يتحمل قسوة الحياة التي تنتظره ؟ ، أيهما يتم تنشئته كرجل حقيقي ، وليس مجرد ظل أخر لاجدوى له ؟ هي لا تعادي فكرة ( عمل الأطفال ) التي يلجأ إليها كلّ من يدعي التحضر ، ويريد التفلسف في الحياة ، وإنما تري - من وجهة نظر قريبة جدًا من هذا العالم - مدي استعداد الطفل لأن يكون هكذا - فهنا تأتي التفرقة ، والتعامل مع الأطفال ، طبقًا للحالات الفردية ، ومقدرة ، وشخصية كل فرد . ويكفي أن د/ أحمد خالد توفيق أشاد بهذا العمل قائلاًعنه : أنه فتح جديد في أدب الميكروباص
*****
في ( قصة بكاميراتين )
تتحدث موهوبتنا عن أجمل علاقات العصر الحديث ، والعالم المعاصر، علاقة صداقة بين عقلين ، عبر الفضاء السايبيري ، رغم قراءتي لمعظم - إن لم يكن كل - أعمال داليا يونس ، تظلّ هذه الأقصوصة ، شديدة الأحساس مكثفةِ المشاعر ، هي الدرة بين كل ما كتبت . فهي تتحدث عن الصداقة العقلية التي تنشأ بين شاب وفتاه لم ير أحدهما الأخر ( حتي أنه اختلط عليها الأمر بينها وبين قريبه حينما ظنت أنها التقطه صدفة ) عن طريق النت .. يحدث شيء ما يعكر صفو هذه الصداقة الجميلة والبريئة .. فلا يعود نقاء كوب المياه الشهي الذي يغري بالشراب كما كان .. والنتيجة .. ؟ نترك كوب المياه ولا نحاول أن نعيد تكريره لنحظي به من جديد ..حل غريب .. وفكر أغرب ..المعتاد في مثل هذه المواقف أن نحاول تعديل الأوضاع .. إما أن تصير أفضل .. أو أن تصير أسوأ ..لكن أن نتركها كذلك كما هي وكأنها ( هذه الصداقه ) أجمل وأنقي من أن يضاف لها شيء سخيف مثل هذه ( الحركات ) نأتي بعد ذلك للحدث الغريب .. والذي ترك في نفسي إحساسًا غريبا .. وشعورًا جميلا وحزينًا في ذات الوقت .. هذه الأشياء التي يفعلها بنا القدر وكأنه يعبث بنا . المصادفات الغريبة التي تأتي في غير مواعيدها ..المصادفات التي لا داعي لها علي الإطلاق ..لو لم توجد هذه المصادفة لما وجدت الحكاية أصلا ..هما الإثنان في نفس الوقت قررا نفس الشيء .. وهذا أكبر دليل علي تشابه الفكر .. والروح .. رغم اختلاف البيئة والثقافة .. إنه هذا المعني الجديد للوطن التخيللي .حين يصير الوطن بعيدًا عن الأراضي والممالك البشرية ..يصير هناااااااك بعيدًا علي صفحات النت .. ومواقع الشبكة العنكبوتية .. حيث تجتمع أناس لم تمكنهم الأقدار من أن يلتقوا في عالم الواقع .. التقوا هناك في الفضاء السايبري ، حيث نقترب من الأحلام كثيرًا .. لكننا نحمل معنا أدلتنا علي وجود هذا الحلم الجميل ..علاقة كهذه من الحزين أن يعكر صفوها أشياء سخيفة تحدث بيننا كل يوم ..هي أكبر من كل هذه الأشياء السخيفة مجتمعه وحتي الأن لا أفهم كيف أمكن لمشاعر فتاه رقيقة ، ان تشبّه مثل هذه العلاقة بعلاقة ( جنديين قرويين من نفس البلد ، يقضيان فترة تجنيدهما في الجيش ) مثل هذه العلاقة لا يمكن أن يفهمها إلا من خبرها فعلا ( أنا الذي خبرتُ الجيش لثلاث سنوات ، أفهم مثل هذه العلاقة ) حتي أني أعتقد أنه قد لايفهمها إحساس رجل ، حتي لو قرأها دون أن يخبرها ، هذا يحدثنا عن روح شفافة ، شديدة النقاء . تتميز هذه الأقصوصة بالبساطة ، الشديدة في العرض ، والبعد عن التعقيد ، مع عمق الفكرة وفلسفيتها . ومعالجة (قصة بكاميراتين) يؤكد لنا رغبتها الدائمة في تكسير القوالب الجامدة ، وخيالها السينيمائي ، الذي يحتاج إلي الدراسة الأكاديمية ، لينشط ، ويقدم دررًا بليغة . وكما سيتضح لنا رويدًا ، نكتشف أين ينشط أدب داليا يونس ، أن مسرح أقاصيصها ، هو في أغلب الأحيان ، الميكروباصّات ، والحافلات ، حيث تقدم نوع مختلف من أدب المواصلات ، الذي يتحدث عن العامة ، ورجل الشارع المضطهد ، المثقل بآلاف الهموم . وهو نفس المسرح الذي ينشط فيه العديد من الكُتّاب الشباب الحاليين . والسبب ؟ أعتقد أنه الاختلاط الشديد بالشارع ، المزدحم بآلاف الشخصيات ، والنماذج ، البشرية المختلفة ، التي تثير الخيال، وتبعث المشاعر الأنسانية النقية من رقداتها الطويلة . مع المشاكل الإنسانية المتناثرة من أفواه الركاب ، وشفاههم المشققة ، والعلاقات الإنسانية المتفسخة ، كل هذا يمتزج بشطحات خيال المتفرج ، ليكون بالفعل ، الميكروباص ، أجمل مسارح الأدب المعاصر . وقد برعت فيه أديبتنا كثيرًا جدًا ، وقدمت جزء من عالمها الخاص عبره .
*****
( ستة أشهر معطرة.. ")
هل أحرقتِ رسائلي كما طلبت منكِ في الرسالة الأخيرة..؟ لقد حرصت على صنع أوراقها خصيصًا من ذلك النوع الفواح عند الحرق.. لا أريد أن تذكريني بكلمات كما قلت.. فأعلم أن الكثيرين قد قالوا لك الأكثر.. ولكن أريد أن أظل في ذهنك رائحة عطر.. ألف عطر.."
للعشقِ ألوانٌ كثيرة ، وللحلم ألف لونٍ ولون ، ولتلك البيسانةُ عطور الجنة . هنـــا منتحدث عن، السعادة التي لاتكتمل ، والبراءة المهددة دومًا بالفناء ، والأمل الواه ، الذي يقف علي حدود الموت ، فما أن نصل له حتي تسحقنا يد الحياة . براءة الكلمات ، وعشق الصور ، وألم الرومانسية ، (جنة ) الفتاة الرقيقة ، الحالمة ، تفكُ رسائل فارسها ، وتستحم في عطور الكلمات الحالمة ، التي تعبر عن عشق من نوع خاص ، عشق لايضاهيه عشقٌ أخر ، الوله ، الذي يجعلك لاتعرف ولاتريد أن تعرف حبًا أخر . تستمر الحكاية ، ويستمر الحلم ، حتي تطالعنا أديبتنا ،بأصل الحكاية ، وأصل الحب ، الحب الأبوي الفريد ، المتفهم ، الواعي ، القاسي ، المتألم. في أشهر ( جنّة ) الباقية ، تغرق داليا في عالم الأسرة النقي ، العالم الوردي ، ربما تكشف هنا عن حلم فارس الأحلام ، نادر الوجود ، الذي يحيا وسط الخيال وحده ، وسط هؤلاء الشباب المريض منعدم الأهلية ، فارس الأحلام في رأيها - كما أفهم من تلك الأقصوصة البديعة- هو صورة موازية ، ومشابهه لعشق الأب ، الأب المتفهم الواعي المحب ، والذي لا يري أحدًا ولا يري شيئًا سوي حبه لفتاته . فارس الأحلام الأبوي نادر الوجود . تلك هي المسألة .
في دمشق.. يصبح الناس ويمسون على رائحة الياسمين الذي تعانق أشجاره حدود السماء في كل مكان.. "أعيدوني لمن علمتني أبجديه الياسمين".. هكذا قالها نزار..فماذا لو عرف عن من عملتني أبجدية العطور كلها..؟" هذا عشق مثقف ، واعي ، يعرف كيف يصيغ الكلمات دررًا ، والمشاعر ، سلاسل من مرمر . ثمة عشق داخل داليا لعالم البنات ، البنات الملائكية ، حور العين ، كما وصفهم الله تبارك وتعالي : بقامتها الهيفاء.. وضفيرتها السوداء اللامعة الطويلة التي ورثتها عن أمها الراحلة.. تغمض العينين الخجولتين وتتنسم ذاك العبير بالأنف الإقَني الشامخ..قالت لها أمها يومًا أن هذا هو "مسك الليل".. رائحة عطرية غريبة هي مزيج من القرفة والينسون والأعشاب البرية والفل.. تركيبة عطرية من صنع الخالق العظيم يأتي الليل ليرشها على حواس الشم المسبّحة بعظمة خالقهما.. ولأنها مرتها الأولى.. فهي لم تتعلم بعد أن تؤمن بثلاثية الأبعاد.. قلبها الصغير يصر على ارتداء نظارة تعطي بعدًا واحدًا للأمور.. وهو بعد السحر…تفك الشريط وتفتح العلبة بأناملها العاجية.. تلتقط زجاجة العطر بيد.. وتنفض الرسالة المرفقة بالأخرى. (جنـّة ) هي رمز العالم الجميل ، الآســـر ، النقي ، الذي وُلـد معنا في طفولتنا ، وفي صبانا ، وقُدّر له أن يموت داخلنا في شبابنا ، بعدما التحمنا بالحياة ، وبالواقع المرير . جميعنــا نملك ( جنّة ) في دواخلنا ، فقط علينا أن ننتبه لها جيدًا ، ونحيطها بالإهتمام والرعاية ، وأن نودعها الوداع الأجمل ، بأن نجعلها تحيا أجمل أحلامها ، في أن تري العالم الذي كانته دومًا ، في نفوسنا يحيا ويستمر ، ويحاول البقاء ، وحين يحدث المقدّر ، ويرحل هذا العالم المراهق من نفوسنا ، سنلعب دور الأب ، المتفهم الواعي ، غير النادم علي العالم الجميل الذي عاشة ، لأنه استحلب منه أجمل قطراته ، وشعر بمذاقها الحلو بين لسانه ، وبين جنّة روحه. حتي الإسم يا داليا ( جنّة ) قمة التعبير ، والرمز . ستة أشهر معطرة : هي حالة جمالية نادرة في حكايات داليا يونس - كما تقول - وهي بنت جميلة حالمة -لها - ضمن أبنائها المعقدين المخبولين .
*****
( أحقًا هي الجميلة المنعكسة..؟ )
نعم .. هي الجميلة المنعكسة .. لبدايات داليا يونس ، طابع خاص محبب ، حالم ، شيء أشبه بالشعر ، بالموسيقي ، بالسوناتا الرقيقة . ولبداياتها ، مفردات خاصة ، تكوِّن مثل هذا السور الأسمني العملاق ، الذي يتحدث عنه د.أحمد خالد توفيق ، للعوالم الخاصة القوية . وسكتت الحساسين مصغية لما سيقول
معذورة النحلة
أنامله
لو تعرف ما أنت فيه من نعمة ..
أنت الوحدة صديقتك ..
وأنا الوحدة ..حتى الوحدة ..متحفظة معي !.
..................
ورقيقة كندفة ثلج ..
تلك التعابير الحالمة، هذا العمل ، أقرب ما يكون من الشعر ، تلك الكتابات الحالمة التي تقف بين الشعر ، والخاطرة. وتميل بزاوية حادة نحو الشعر . هنا تتحدث داليا عن التواضع ، التواضع الذي يصل إلي حد بخس حق الذات ، إذا كانت (وردة )بكل تلك الرقة والجمال ، والبهاء الذي تصفه الأديبة ، فكيف تكون هي ، وقد فضلها فارسها علي وردة ، ووصفها بالجميلة ، العالم الذي تتحدث عنه داليا يونس ، يذكرني بشدة بأسطورة من أساطير قبائل السلت الجرمانية ، تحدثت عنها ( ريم البراري المستحيلة ) في إحدي تدويناتها . العالم المختلف ، المجتمع داخل المجتمع ، العالم داخل العالم ، الدولة داخل الدولة ، البيئة التي آن لها أن تولد وسط هذا المجتمع الجشع ، الكبير ، الذي لا يهتم لأحد ، ويأكل كل شيء ، يهضمه داخل معدته الجبارة ، التي تسع كل شيء. حينما يولد هذا الكيان الناشيء ، ستتغير أشياءٌ كثيرة ، حينما يلج هذا العالم الحالم ، داخل حدود ممالكنا المتسخة بغباء البشر ، سيتغير وجة العوالم الأخري . وستولد الجنة ببطء علي حدود الكوكب . وأغرب ما فيه ..أنه لا يراني غريبة ! .. تلك ( الجميلة المنعكسة ) علي سطح الماء الرقراق ، هي الصورة المثلي للحلم ، للأمل ، والترياق المناسب ، لأمراض هذا الوطن المتكابر ، العجوز ، الذي عبثت الشيخوخة في رأيه فلم يعد يدرك غير أمجاد الماضي ، وألغي شيئًا يدعي المستقبل ، من سطر الحياة ، التي تمضي ، ولا تعبأ بأشباه الكائنات التي تحيا علي سطحها .
ترى .. ماذا يريد أن يقول ؟ ..
حلم التواصل والاتصال ، لقد خلق الله لنا ألسنةً ، وعلمنا لغات مختلفة ، لكن تبقي تلك اللغة البسيطة تعجز عنها الكلمات ، وتقف أمامها بلهاء . لغة المشاعر ، وحلم التواصل وسط العواصف الهوجاء. لقد أنتهت الأقصوصة - حسب تصنيف داليا لها - دون أن نعرف ما يود أن يقول . لقد لفظ كلمة حبٍ واحده - زادت بطلتنا حيرة علي حيرة ، وشقاءًا علي شقاء ، لأنها لاتعرف لمن وجهها . لو كان للعالم القادم ،الذي يتكوّن ببطئ في رحم المستقبل ، مشكلة، فهي مشكلة الإتصال ، مشكلة الإتصال بينه وبين نفسه . الغرباء كثرُ ، لكنهم لايعرفون أنفسهم .. لقد قال أستاذي : أحمد خالد ، من قبل :
( علينا أن نمسك أيدينا وسط العاصفة كي لا نتوه ) علينا أن ندرك أنفسنا ، ونجيد التواصل ..
*****
( مكاتيب فيروزية..)
وهو عمل مشترك ( مع السوري أحمد رمضان ) لكنه يحمل الكثير من فلسفة أديبتنا ، وعالمها الفيروزيّ الأثير ، تتحدث عن علاقة مراهقة بين فتاة ، وفتي ، من بلدين مختلفين ، نبتعد هنا عن عوالم النت المعقدة ، ونعود إلي الوسائل التقليدية التي تثري الخيال ، فهما يتراسلان عن طريق الحمام الزاجل ، وككل شيء جميل ، تنتهي الحكاية بسوء تفاهم بسيط ، وحوادث قدرية لا دخل لهما فيها ، هذه روح تحمل من الأسى الكثير جدًا ، وتفقد الثقة في هذا العالم الكبير ، الذي لا يرأف بحال الصغار ، واهتماماتهم الصغيرة البسيطة ، ومن جديد نلحظ هنا الفكر ، المتوتر بعض الشيء ، المتألم لفكرة الأقدار التي تنهي كل جميل ، والراضي بها في ذات الوقت ، هو اعتقاد عجيب بأن الجميل في حياتنا ،ينتهي ، ولايبقي منه سوي الذكري الجميلة التي نعيش بها ما بقي من عمرٍ ، ويتكون بداخلنا أيضًا ، هذا الحزن النبيل ، الذي خبر الحياة ، وفهمها . لكن الكاتبين أجادا وصف هذا العالم ، وتلك الأجزاء المجهولة من حياة الشباب الصغير المراهق ، أجادا وصف أجواء المراهقه العذبة .. اللحظه التي يتفتح بها القلب البكر .. وينطق بأعذب كلمة في الحياه .. ( أنا أحب .. أحب .. أحب … ) اللحظة التي يفض فيها بكارة الطفوله .. لنجد خلف الغشاء الرقيق عالمًا عذب .. يسبح في مفردات عذبه .. وأحلام هائمه .. وندخل الخيال من أوسع أبوابه .. وقتها نتعلم سحر الحياه .. وقسوتها ..وقتها ندرك كنه الحب .. ونعجز عم أدراك كنهنا .. وأدراك الحياه ..لكن للأسف .. أحيانًا .. نستيقظ من الحلم سريعا .. قبل أن نستمتع باللحظه الفريده التي نتيقظ فيها بكسل ونتمطي ..أحيانًا يجدث هذا .. لا غالبًا يحدث هذا ..ونبقي بقية الحياه .. في حاجه إلي لحظة نومٍ أخري .. من الأحمق الذي أيقظني .. ؟؟؟؟لم آخذ كفايتي من النوم بعد !
*****
( سأقتلها حتمًا.. سأقتلها بالتأكيد!)
روح الطفله التي تهوي العبث ، واللعب الطفولي البريء ، الحميم - كما قلنا - هنا تستخدم داليا أسلوب التيمات ، الجملة التي تتكرر باستمرار قد يصل إلي حد الإستفزاز ، مع لمحة ماسوشية أضافت جو فني شديد الإيحاء علي السرد القصصي ، والنهاية الصادمة التي لم يتوقعها القاريء في بداية العرض القصصي الحميم ، لكنه يكتشفها مع الشخصية المحورية رويدًا ، حتي يصل إلي الصدمة ، التي قصدتها القاصّة منذ البداية . لو تريثنا بعض الوقت ، لوجدنا تلك الروح التي تحدثنا عنها تطل علينا من جديد ، الروح البريئة الحالمة ( المتمثلة في البطلة ) التي تحيا أحلامها الخاصة ، ومشاعرها في هدوء ، ثم تصطدم بالبيئة الرافضة ، أو غير المدركة لهذه الروح ، فتجبرها علي اتخاذ خطوات أخري ليست ضمن خططها ، وأسلوب حياتها بداخلها هي ترفض هذا التدخل ، وهذا الإجبار ، وتقاوم بكل عنفوانها ، وبعيدًا عن واقعية تصرف البطلة من عدمه ، إلا أن هذا هو ما تراه داليا ، في سبيل الوصول إلي أهدافها ، وتحقيق أمالها ، لقد بدا أن نزعة الانتقام ، أو اليأس القاتل ، تعدت الحب المستحيل الذي تراه أمامها ، ولا تستطيع الوصول إليه بشكل ما أري أن في هذا التصرف نوع من الأخلاق ، أو السمو الروحي ، هي لن تهرب مع حبيبها ، بعيدًا عن أهلها ، وتتزوج رغمًا عن الجميع ، لقد فضلت الإنتحار ، علي هذا الفعل ، ( هنا لا أتحدث عن الواقع ، ولكن عن خيال الكاتبة ، ومنطقها ) لو كان يرمز هذا إلي واقع الأديبة ، فسنري أنها فضلت أن تقتل الحلم في داخلها ، وبالتالي موتها هي رمزيًا ، وانتحارها ، علي أن تفعل شيئًا يغضب من حولها ، أو حتي يضايقهم هكذا يتأكد لنا ببطء ، قسوة التجربة التي كانت تعانيها ، أو كانت تعرف أنها تعانيها ، في دخول كلية لا تحبها ، بل تكرهها كذلك ،( تاريخ القصة 7/7/2002 ) أي كانت علي مشارف دخول الكلية إن لم تدخلها فعلا .
*****
( أحترف الحزن )
هذه قصة مشتركة ( بين داليا يونس و م.س .أحجيوج ) لكنها تفوح بمفردات داليا يونس ، خاصة في اختيار أغنية " بيسان " لفيروز ... ( أضافات وقوة أسلوب م.س واضحة كذلك في العمل ،، وهو عمل مميز جدا بالمناسبة ) . فيروز التي تستقي منها داليا كل عوالمها ، ومفرداتها ، وربما فلسفتها كذلك . فهي - هذه الأقصوصة - مدًا مع تيار الكتابة عن العمليات الإستشهادية التي لن تهدأ ، في فلسطين ، استُخْدمت فيها الأغنية بحرفية عالية ، واحساس راقٍ ، وصيغت مفرداتها ، مع نشرة الأخبار ، بأستاذية. ثمة فلسفة أخري ، تتحدث عن جمال الجوهر ، وارتباطه بجمال المظهر ، هناك عدة تباديل وتوافيق ، يمكننا إجراءها ، لكننا لن نستطيع أن نؤكد علي إحداها ، وأيهما يرتبط بأيهما أكثر ، جمال الروح مع جمال المظهر ، أو جحمال الروح مع عدم جال المظهر ، ... إلخ أنا مع هذا الرأي ، حتمًا لا يوجد قاعدة ..
*****
( لعبة القرار ) الروعــة . كلما تذكرت هذه الأقصوصة ، تقفز إلي ذهني كلمة واحدة ، الروعة ، لو لم تكن هذه روعة ، فماذا تكون ذن ؟ هنا هي تستخدم الحوار ، فقط الحوار - عدا الجزء الأخير ، الذي استخدمت معه السرد بشكل خاص جدًا يشبه الشعر في روحه العالية - أنا احترم جدًا مثل هذه النوعية التي تستخدم الحوار فقط ، لأنها تشي بإحساس عالي جدًا ، وقدرة علي توظيف الكلمات ، وتوضيح المكان والزمان ، والحدث ، في داخل الحوار ، لو كانت أكملت -داليا - الحوار حتي نهاية العمل لصار تحفة فنية فعلا . الحوار عبارة عن محاكمة طفل فلسطيني في السابعة ، وإن أتت ردود ( أحمد ) - الطفل - الواعية غير مناسبة لسنّه ، وعمره الصغير ، إلا أن هذا قد يوحي بأن الألـم ، والحرب ، والدمار النفسي ، قد ألغي من حياة أطفال فلسطين معني الطفوله وبراءتها .. الحوار ذكي - كما قلتُ - و جعل العمل من أجمل الأعمال التي تتناول القضية الفلسطينية ، إختيار لحظة الحكي أيضًا ، العصيبة ، الجميلة فنيًا ، لتعقد المقارنة بين مستقبل طفلين ، والتهمة - التي لا أعرف أتدعو للسخريةِ أم الألم - هي أن الطفل الفلسطيني خَيَّر الطفل الإسرائيلي ، بين ثلاث ليمونات ، قائلا : ( أمامك أخذ ليمونة مرّة لك ، وأخذ ليمونة مرّة لك ،وأخذ ليمونة مرّة لك ) إنه ببساطة الخيارات الإسرائيلية للشعب الفلسطيني ( القتل ، الحرب ، الاستيطان ) هذه جريمة تمارسها إسرائيل دون أن يتحرك العالم... وحين يلعب بها طفل فلسطيني مع آخر يهودي .. تقام للعرب محاكمة ، ويكون الحكم العادل : ( محكوم عليك أن تقبّل قدم سيدك إيزاك ) ـ العملية ليست إذن سوي كسر هامة ، وإعدام كرامة ، ليست مجرد احتلال فقط ، وإنما إذلال هويّـة. والنتيجة :: لقد اختار الطفل الفلسطيني الاستشهاد ، عن الخنوع والخضوع ، ملحمة رائعة يقدمها الشعب الفلسطيني ، ويسطر حروفها بدمائه ، وحياتهِ ذاتها ، هذا عمل ، قوي ومؤثِّـر جدًا . وإن كانت فيه مسحة من السخرية ، فهي تلك السخرية الأليمة ، التي تبكي عيوننا من أجلها ، ولا تتقلص لها شفاهُنا ،إلا بالألم ، والانكسَـــار
***