السبت، ١٥ مارس، ٢٠٠٨

عمليات دمج

في الحقيقة أعتقد أن الموضوع تأخر كثيرًا .
كان يجب أن يتم هذا الدمج منذ فترة طويلة نوعًا .
دمج جميع مدوناتي إلى هذه المدونة (
حياة جديدة ) . دمج ( حواديتي ) و ( من وراء النافذة ) و ( حياة جديدة ) إلى مدونة : ( حياة جديدة ) المدونة الأصلية ، التي اعتبرها بمثابة الوطن .
لنعتبرها مرحلة جديدة ، توافقت مع يوم ميلادي الخامس والعشرين .

الجمعة، ١٨ يناير، ٢٠٠٨

هــنعزِّل ، بعد إذنكم طبعا

يا مرحب بكم ..!
كعادة الحياة في التغير ، والاستمرار رغم التغير ، الذي قد يحبه البعض ، ويتضايق منه آخرون ، كان هذا الرحيل ، ولم العزال ، إلى مجتمع مكتوب ، بدلاً من مجتمع الـ بلوج سبوت ، لتصير نافذتي هناك
http://nafeza.maktoobblog.com/ ، لأرحل بنفس النافذة ، والمنضدة ، والأقلام إلى هناك
الحقيقة أنني لا أعرف السبب ، لكنى هنا أشعر بالغربة ، كأنني مهاجرٌ عن وطنه الأم ، لا أقول أن ( مكتوب وطني ) لأنني نزيلٌ جديدٌ به ، لكنى على الأقل شعرتُ بالارتياح فيه ، وزال شعور الغربة الثقيل .
هناك سأقرأ بالعربية ، و أنضم إلى جالية نتية عربية ، بدلا من الأجانب الذين يصدعون رؤوسنا طيل الوقت .
ليس هذا هو السبب الوحيد بالطبع .
هناك العديد من الأسباب ، منها ترشيحات بعض الأصدقاء والمعارف والأهل والأحباب ، إلخ إلخ إلخ
لكن ما حدث حدث ، لقد لممنا عزالنا من الـ بلوج سبوت ، لنضعه هنا في مكتوب
تغيرت الأمكنة ، والمضمون واحد

الجمعة، ١٤ ديسمبر، ٢٠٠٧

الطبشورة ، والتبشيرة


إسم الكتاب : الطبشورة
الكاتـــــــب : أ. أيمن شوقي
الناشـــــــر : دار ليلي للنشر
الســــــــعر: 5 جنيهات
تاريخ النشر : معرض القاهرة الدولي للكتاب 2008

من أجمل الأخبار التي سمعتها خلال الفترة الأخيرة ، عرفت الخبر اليوم تحديدًا ، ولم يكن الامر مفاجأة بالنسبة لي ، فكاتب موهوب بحجم الجميل أيمن شوقي ، لابد أن تأتي اللحظة التي يخرج فيها إبداعه إلى النور عبر أولى مجموعاته القصصية ( الطبشورة ) ، ليفرض وجوده على كل من حوله
أيمن شوقي ، أديب موهوب ، سكندري الجنسية ، عانق هذه المدينة العاشقة التي تخرج أبناءها مصبوغين بتلك الصبغة الرومانسية الحالمة ،التي يكتنفها الثورة والألم ، وكأنها تواصل رسالاتها عبر الزمن
أسس أيمن شوقي منتدى ( القلادة العربية ) ، المكان الذي جمع الموهوبين من كل بقاع أرض العرب ، يحاولون أن يكونوا مختلفين عن الجيل الأكبر ، وشارك في العديد من المنتديات الأدبية ،ونشر له في أكثر من جريدة اليكترونية ، كان آخرها - حسب معلوماتي - جريدة القبس
يصدر له مجموعته القصصية الأولى ( الطبشورة ) عن دار ليلي للنشر والإعلان ، المجموعة ستصدر في معرض القاهرة الدولي للكتاب للعام 2008
اتوقع لهذه المجموعة أن تكون ( تبشيرةً ) بميلاد أديب مختلف ، ينضم بقوة إلى أسطول الأدباء الصاعدين بسرعة الصاروخ
وسيكون لنا لقاء هنا - بإذن الله - بعد صدور المجموعة لنحاول قراءتها معًا ، لنعرف إلى أي مدىً كُـنــّا صائبين

الخميس، ١٣ ديسمبر، ٢٠٠٧

دياب .. الــقـديم


الاســـــــــــم :عمرو عبدالباسط عبدالعزيز دياب
تاريخ الميلاد : 11 من أكتوبر 1961 م
مدينة الميلاد : بورسعيد - مصر
بداية الغنــاء : عام 1986 ـ ألبوم ميال ـ
نجح وهو صغير السن جدًا ( 6 سنوات ) في المشاركة في مهرجان يوم الجلاءالوطني في 18يونية 1968- حيث قاموا بزيارة محطة الإذاعة المحلية ببورسعيد وغنى عمرو لأول مرة في حياته للإذاعة النشيد الوطني "بلادي بلادي". وشجعة المحافظ آنذاك بإعطائه قيثارة كجائزة رمزية غني بعد ذلك أغنية ( أمي ) للفنان (محمد منير ) ، بأسلوب خاص ، عرفه به الجمهور ، وأصدر أول ألبوماته ( يا طريق ) ، لكن أول أنجح ألبوماته كان ( ميال ) الذي تُرجم إلى خمس لغات عالمية ، وقد كانت ظاهرة آنذاك
عمرو دياب ، لا أعتبره مجرد مغني أو مطرب ، هو فنان أعياه البحث عن نفسه ، وأضناه محاربة العالم من حوله كي يفرض نفسه ، وفنّه ، ووجوده الذي كان يعرف باختلافه عما حوله ، وقد نجح في هذا بضراوة ، أثبت وجوده ، وخرج من حيز أهله ، إلى حيز محافظته ، فالعاصمة ، فالجمهورية كلها ، بل وصل إلى أول خطوات العالمية ، وهو لا يزال في بداية طريقه الفني
لكن الذات التى كان يبحث عنها ، والتي وجدها وفرضها على من حوله ، كانت تنظر لما هو أبعد ، إلى ساحة العالمية ، التي وصلها بعد جائزة الـ (ميوزيك أوارد ) الأولى بأغنية جميلة جدًا ( نور العين )
ربما أعتبر هذه الأغنية نقطة تحول في حياة الفنان الجميل ، بعدها بدأ اهتمامه بالخارج أكثر من الداخل
ويدأ السير على خطوات العالمية ، سواء توافقت هذه مع ذاته التي كان يبحث عنها في بداية طريقه أو لم تختلف
ربما اعتنق فكرة عالمية الفن ، وعدم ارتباطه بأقليم معين ، وأن الفنان الحقيقي يتذوق كل جنسيات الفن ، لأنه في النهاية صادر عن روح انسانية ، لا يوجد لديها حاجز اللغة أو اللهجات المختلفة ، وأن الفن ، والموسيقي ، والغناء ، هو لغة عالمية ، لا تحتاج إلى ترجمة
بدأ بعد نقطة التحول ( نور العين ) في الاهتمام أكثر بمقومات اللغة العالمية ، وهي الموسيقي أكثر من اللغة ، أو الكلمات ، أو قضايا مجتمعه التي ظهرت بأجمل ما يكون قبل مرحلة التحول في أغنية ( المدينة ) ، أو حتى تهاويم ذاتية تتبلور وتتكور حول الذات كما في أغنية ( ذكريات ) بفكرة الجرح الذاتي الذي يعاني منه الكثيرون ، أو القضية الفردية التي يعاني منها الوجدان الجمعي
صار اهتمامه بالفن للفن ، وليس الفن كنوع من التنفيث لفنان مهموم بقضايا معينه
صار ما يقدمه فن يقدم فن راق جدًا ، وأساليب فنية ، جديدة ، لمجرد التجديد فقط ، ولا يقدم كل هذا ممزوجًا بفكر ما ، أو قضية معينة ، أو حتى موضوعات مختلفة ، وغير مكررة
ربما كا حكمًا ظالمًا مني ، على فنان جيلي ، وعشق طفولتي الأثير
لكن - على سبيل المثال - في النصف الأول من مشواره ( قبل الأوورد ) قدم أغنية بديعة جدا ، ترتبط بشكل ما بي وأنا طفل صغير هي ( نعشق القمر ) ، بلحن وتوزيع قمة في الروعة ، والتجديد ، والاختلاف ، وكلمات غاية في الإبداع ، والفن :: ـ
نعشق القمر لما .. يجمع الصحاب لمّة
نبكي لو يفرقنا .. نفرح لو نكون لمة
يطلع القمر لينا .. يلمع ضيهُ في عنينا
يسمع همس أغانينا .. يفرح لو تبسمنا
بـِدك ..؟ .. طب ما أنا بدي
يدك .. دايبة في يدي
مدي .. الخطى مدي
عدي لشط أحلامنا
يا ام العيون كحلى
نمشي .. والطريق يحلى
رحلة .. بعدها رحلة
نرسى والشطوط ضامه
صورة شعرية ، غاية في الجمال ، والرومانسية ، تحمل من ثورة الشباب ، وفورانهم ، كل ما يحبه عمرو دياب ، وما كان يرى فيه نفسه ، وما يقدمه ، كل هذا مرتبط بلحن ، وتكوين موسيقي متطور جدًا ، وجديد جدًا ، ورائع جدا
هذا كمثال لما أحاول أن أوضحه بارتباط الفنين ( الموسيقي ) و(الشعر ) في الفن الهجين ( الغناء )
لا يجب أن يطغى أحدهما على الآخر ، كي نحظى بهجين يجمع بكل روائع أبويه

سأتوقف الآن عن الكلام ، لكي أضع بعض من أغان عمرو دياب التي أحبها بشكل خاص ، وترتبط جدًا بطفولتي ، زبداية مراهقتي ، والتي كنت أحلم معها كثيرًا ، في فراشي ، على شاشتي الفضية الخاصة قبل أن أسقط ، غارقًا ، راحلاً إليها
**

الخميس، ٦ ديسمبر، ٢٠٠٧

رسالة شوق صغيرة إلـيه


اسمه : محمد عبد العاطي
قليلون هم من يمكن أن يثيروك لهذه الدرجة أيها الصغير ، من يتسللون إلى روحك ، ليحتلونها تمامًا ، وتفرح انت بهذا الاحتلال الصغير .إسمه : محمد عبد العاطي ، لكنه يحمل روح دافنشي في داخله ، وقلق الفنان الحائر ، وإبداع الثوار ، وبساطة حلم الفقراء
ينتمي إلى هذه الفئة القليلة التي لا زالت تحمل في جوانبها قلب الانسان الاول ، بفطرته التي طبعها الله عليها
كلما تذكرته - وانا أتذكره كثيرًا جدا - وجدتني ابتسم بفرحة لم أعهدها في نفسي من قبل
عرفته ، وصافحت كيانه الجميل ، قبل أن أراه فعلا ، على صفحات العالم الافتراضي ، وتحديدًا ، مجتمع شبكة روايات التفاعلية
شّدني منذ اللحظة اللحظة الأولى ، ورأيتُ فيه صورة من روحى قبل أن يصيبها التلف من هذا العالم ، لكننا بالرغم من هذا تشابكت معه في عناق فكرىّ طويل جدًا
قابلته بعدها في أورع أماكن العالم ، في دار الأوبرا المصرية ، البقعة التي تحمل عبقرية لم أشهدها في اي مكان زرته في حياتي ، مكان نقي كنقاء روحه ، حضرنا وقتها العديد من الندوات واللقاءات الشعرية ، التي عرفتني اكثر على جوانب أخري من وجوده
الثقافة ، والموهبة ، حينما تتعانق مع الروح الحزينة ، التي تتقوقع في عالمها الخاص ، وتخرج لنا بأجمل الحرائر
رؤية خاصة ، حتى في ابسط الأشياء ، في لوحة رأيناها ، أو تمثال ( أم كلثوم ) في دار الاوبرا ، أو طريقة إلقاء الشاعرة ( إيمان بَكرى) أو طلاقة لسان ( فاروق شوشة ) ، حتى عدم اهتمامه بالمكان وخرائطه الجغرافية ، الشيء الوحيد الذي كنت أختلف فيه معه ، لهذا كلما سرنا معًـا ، كان يتأبط ذراعي ، ويتركني ( أسوق ) ، فإذا ما أخطأتُ في الطريق ،بحكم أنني ( اسكندراني ) وهو ( قاهري ) ، ونسير في القاهرة ، كان يقول بمنتهي البساطة ( وأنا مالي مش أنت اللي سايق ) ، وكنت أضحك لأن خرائطي الجغرافية اختلت قليلاً
كوبري قصر النيل ، ميدان التحرير ، ميدان طلعت حرب ، مكتبة الأسرة ، أماكن تحمل عبقرية خاصة في داخلي ربما لمجرد ارتباطها به
في طفولتي كنت أهوى التزويغ من المدرسة ، ومحاضرات الكلية ، لحضور فيلم سينمائي ، أو وثائقي ، أو لأحظي بجولة في مكتبة الإسكندرية ، أو ندوة أدبية في مكانٍ ما ، لكني دومًا كنت أفضل أن أكون وحدي في كل هذه الجولات ، لعلمي أنني لن أجد من يحمل رأسي ، أو على اقل تقدير لن أجد من يحمل رأسًا تحاول أن تفهم رأسي ، وعلى مدار عمري كله ، لم استمتع بمناقشة جدية بعد جولة ثقافية ، أو ندوة أدبية ، كما استمتعتُ وانبهرتُ بآراء ومناقشات صديقي الغالي : محمد عبد العاطي
حينما تتناغم روحان ، وتسبحان في ملكوت خاص بهما ، وتملكان نفس الأدوات
وتنتهي فترة عملي في القاهرة ، أعود للإسكندرية ،ويتوقف هو عن حضور الندوات ، لانشغالاته الخاصة
كلما فكرتُ في هذه الأيام ، عرفتُ انني عشت اجمل لحظات عمري بأكمله ، افكر في هذه الايام ،واتساءل ، ألا يمكن أن تعود من جديد ؟
لم أحمل شوقًَا أو حنينًا لشيء مثلما أحمل الأن لهذا الانسان ، ولهذا الوقت ، ولهذا المكان
اجلس امام الكي بورد ، اكتب هذه الكلمات البسيطة ، لعلها تكون مجرد رسالة شوق صغيرة إلى صديقي الغالي

الجمعة، ٢١ سبتمبر، ٢٠٠٧

عما يحدث ـ للأسف ـ

تنوية صغير قبل المشاهدة

صديقي وصديقتي الاعزاء

كنت اتمنى ان ادعوكم لهذه المشاهدة بحماس كي يشاهدها الجميع على السواء، لكني للاسف لن استطيع لسبب بسيط جدا هو ان هذه اللقطة تحوي بعض الاشياء والالفاظ والاشارات غير اللائقة اخلاقيا والتي قد تجرح شعور او حياء احد من اصدقائي الاعزاء ، لهذا ومنذ البداية انوه لهذا

وحتى لا يفهم احد خطا فقد حدثث هذه اللقطة بالفعل في احد اقسام الشرطة

وانت ذا ستتاكد بنفسك اذا شاهدت

video

شاهدت ؟
هل يمكنني أذن أن أتكلم بحرية أكثر ؟
حسنًا .. لن اتكلم عن الأصوات الساخرة في الخلفية .. لن أتكلم عن الأمر الواضح ( أضرب ) الذي تكرر أكثر من مرة ، ممن هو أكثرهم رتبة على الأرجح .. لن اتكلم عن الاستسلام التام للمواطن لكل هذا القدر من الإهانة .. لن اتكلم عن جريمته التي لا يهمني كنهها .. لن اتكلم عن القانون الذي لا يحوي في أي من مواده - قدر علمي - أي نص أو مادة أو بند تعطي الحق لرجل الشرطة أن يقوم بمثل هذه الحفلات الجماعية التي اكتفوا فيها هنا ببضع أقلام ، ولم تصل حد التعرية ، وهتك العرض ، كما نعرف أنه يحدث .
حتى في أمريكا ( والدول المتقدمة ) كانت تحدث حوادث شبيهه بهذه الحادثة وإن كان من قام بها أشخاص عادية بأمر ممن يدعي أنه ضابط ، وعبر الهاتف ، بالطبع أتحدث عن سلسلة خدعة التفتيش والتعرية عبر الهاتف التي حدثت لما يقارب عقد من الزمن في أمريكا آخرها حادثة ولاية كنتاكي في ماونت واشنطن ، حيث تعرضت للتفتيش والتعرية والاهانة الجنسية فتاة تدعي لويز ارجوبون في إحدى فروع سلسلة مطاعم ماكدونالدز .
لكن الميزة في أمريكا ، هو اختلاف الثقافات الفردية ، هو الحرية المتاحة لكل فرد كي يقول كلمته حتى لو تعارضت مع النظام المتبع ، والأهداف السياسية .
كلما شاهدتُ هذا الكليب ( الأكثر طهرًا وعفة من باقي الكليبات لدى التي لا استطيع اكمالها حتى نهايتها ) لا أجدني أفكر إلا في أمرين ، السلطة والنفوذ ، والآدمية .
أن تكون آدمي ، ثم يعطيك الله سلطةُ ونفوذا ، فتتحول إلي حيوان مسعور .
وأكثر من بحث في هذا الأمر هما الأمريكيان ( فيليب زيمباردو ) و ( ستانلي ميلجرام ).
الأول أجرى اختباره الشهير ( اختبار سجن ستانفورد ) والثاني قام بتجربته المسماه بإسمه ( تجربة ميليجرام ).
الأول ( فيليب زيمباردو) جمع مجموعة من عامة الشعب الأمريكي ، وأكثرهم طلبة في الجامعة ، جمعهم في قبو جامعة ستانفورد وقسمهم إلى مجموعتين (حُراس ) و (مساجين ) ،أعطى الحراس كل الصلاحيات والسلطات التامة لحفظ النظام في السجن ، ونزع من المساجين كل شيء حتى ملابسهم الداخلية وابدلها برداء وحيد فضفاض ، وكان المخطط أن تستمر التجربة لأسبوعين ، لدراسة سلوك الحراس والمساجين بغرض محاولة فهم الاستجابات النفسية للأسر ، وفهم أسباب الصراعات في السجون .
وتوقفت التجربة بعد ستة أيام لأن ما حدث فاق كل خيال ، وخرج الاختبار عن السيطرة .. لماذا ؟
لأن الحراس قاموا بممارسات سادية ضد السجناء كان أقلها التعذيب ، والاجبار على قضاء الحاجة على الملأ ، وتنظيف المراحيض شديدة القذارة بالأيدي المجردة ، بخلاف التحرش الجنسي ، والإذلال ، هتك العرض .
وتوقفت التجربة ، وتحول ثلاثة سجناء من مجموع ( 12 سجين ) إلي مرضى نفسيين ، يعانون من الاضطراب العاطفي ، والاختلال النفسي .
هذا ما حدث من افراد المفترض أنهم متحضرون ، وطلبة في جامعة ، وليس بينهم مجرم ، أو مريض نفسي .
وخرج (زيمباردو ) بعرض نماذج للطاعة والانصياع التام التي يبديها الناس عندما يتعرضون لنظام أيديولوجي يستند إلى دعم اجتماعي .
أي انصياع القطيع أمام جبروت السلطة والنفوذ .
هنا جاء العالم الثاني (ستانلي ميليجرام ) ليدرس انماط الاستجابة للسلطة ، وإذا تعارضت مع مبدأ انساني عام هو (عدم إيذاء الاخرين )، بهدف دراسة موقف الجنود الذين نفذوا الهولوكوست ضد اليهود وأحرقوهم كانوا فقط ينفذون الأوامر أم أنهم مشتركون في الجريمة ( واضح طبعًا كنه ديانة الرجل ) ، ليقدم اختباره أو تجربته مستندًا إلي اسم جامعة بيل مرة ، وإلي مكتب صحي في ضاحية صناعية .
وخرج بنتائج شديدة الروعة تدرس العلاقة بين منفذ الأمر ومن ينفذ عليه الأمر ، والعلاقة بين منفذ الأمر ( أو المشارك كما اطلق عليه في تجربته ) وبين السلطة ، وقدم مفاهيم جديدة عن غريزة القطيع ، ونتائجها ، وكيف يمكن استخدامها للوصول لنتائج معينة .
وخرج الرجل من تجربته والنماذج العديدة لها بأن : الطبيعة البشرية غير جديرة بالاعتماد عليها لتبعد الإنسان عن القسوة، والمعاملة اللاإنسانية، عندما تتلقى الأوامر من قبل سلطة فاسدة، وأن نسبة كبيرة من الناس مستعدون لتنفيذ ما يؤمرون دون أخذ طبيعة الأمر بعين الاعتبار، وبدون حدود يفرضها الضمير، مادامت الأوامر صادرة عن سلطة شرعية.
إذا كانت هذه هي نتائج أهم بحثين نفسيين في العالم ، عن هذا الموضوع ، تُرى من نلوم إذن ؟
المجتمع الذي يرى ويسكت ، أم الضابط الذي تحول إلى حيوان مسعور استبدل الانياب بالسلطة ، أم النظام الأيديولوجي الذي يحظي بقبول عام ، أم المواطن الذي رضى أن تقوم ضده هذه الممارسات ، أم نلوم انفسنا ،لأننا نرى كل هذا ، ونعرف كل هذا ، ولا نفعل شيء أكثر من الكلام ؟

الجمعة، ٣ أغسطس، ٢٠٠٧

رحلة مكوكية في سماء الاسكندرية


هـلُم ياصغــــارى الأحباء .. اليوم سأرافقكم في رحلة مكوكيــة ، كيما نشاهد مدينتي من فوق سطح القمرالقمر الصناعي طبعــًالا يوجد " أرمسترونج " بيننا فيما أظـن !
فقط رجاءً الامتناع عن التدخين ، وربط الاحزمة ، والنظر يسارًا قليلاً ، نعم في اتجاة الشرق حيث سنجد :


الإسكندريــــة .. كاملةُ .. من ناحية البحر فقط .. كما تظهر من القمر الصناعــي
الآن .. من أين نبدأ الرحلة ؟
حسنــًا .. أنا أسكن الآن في سيدي بشر .. وأغلب رحلاتي .. وجولاتي تكون في اتجاه محظة الرمل .. وبحري .. و محطة مصر .. ومحرم بك .. وكلها في اتجاه الغرب .. لا الشرق
إذن سأصحبكم معي في الرحلة من فوق القمر .. كما أقــوم بها .. من فوق الأرض
أتفقنــا ؟
رائع إذن
شاطئ " جليم " الأسطوري ، بشمندوراته الجميلة ، والتي تظهر في أقصي يمين وأعلي الصورة
ونلحظ "طريق الكورنيش " في استداراته مع الشاطئ
المنحني الأصفر .. هو شاطئ البحر طبعًا ، أعتقد أن هناك العديد من الـ " بكيني " لكننا لن نلحظ هذه الأشياء من موضعنا هاهنا
فليسترح إذن الأوغاد الشباب ، الذين يرافقوننا في هذه الرحلة


هذا هو كوبري استانلي ، وشاطي استانلي .. كحرف الـ " دي " الأنجليزي

الخط المستقيم هو الكوبري ، وهو الطريق الذاهب من أبو قير إلي محطة الرمل " بالنسبة للسيارات " بينما الطريق العكسي يلتف حول الشاطئ من الخلف ، ليكمل استدارة حرف "الـدي " في منحنيه

النقاط البرتقالية الأربعة في أركان الكوبري ، هي أبراج استانلي الشهيرة

وشاطئ استانلي هو المنحني الأصفر أمام الكوبري ، في حضن البحر

شاطئ سيدي جابر ، وأعتبره من المناطق الراقية ، في شواطئ الأسكندرية

في الجنوب الشرقي للصورة ، عمارات " مصطفي كامل " الخاصة بـ ضباط القوات المسلحة ، لكنها لا تقتصر عليهم طبعًا

هنا نبتعد قليلاً عن الشاطئ ، لنجد منطقة " سيدي جابر الشيخ " وهي من أكثر المناطق حيوية في الإسكندرية

نلحظ في يمين الصورة ، عمارات "مصطفي كامل " التي رأيناها في الصورة السابقة

هنا .. ندخل إلي الجنوب قليلاً مرةً أخري ، في عكس اتجاة البحر ، لنجد " محطة سكك حديد سيدي جابر " والقطارات تظهر في أقصى جنوب الصورة ، في خطين أحدهما ذاهب والآخر آيب ، وبعدهما مباشرةً في اتجاة الشمال ، مبني المحطة ، يليها شريط الترام ، وعن اليمين محطة الترام .. وفي أقصي شمال شرق الصورة ، نجد بداية شبكة الطرق التي تركناها في جنوب الصورة السابقة

نعود مرةُ أخرى إلى شاطئ البحر ، وإلى أشهر معالم الإسكندرية ، وأحب المناطق إلى قلبي
لا داعي أن أقول أن هذه هي مكتبة الإسكندرية
الدائرة المستديرة التي تمثل قرص الشمس في شروقه الدائم على المدينة الحالمة ، وحولها بحيرة المياة الصغيرة التي تمثل البحر في مزيدٍ من الرمزية للمدينة البهية ، في اتجاه الجنوب ( الحديقة المقسمة بعناية فائقة ) هي أقصى شمال جامعة الإسكندرية ، وهذه الحديقة هي " ركن العشاق " كا كنا نسميها أيام الجامعة ، والتي يختفي فيها المتحابون عن الأنظار تحت الأشجار الناعسة ، لهذا لا نلحظهم من هنا
فالأوغاد يحتاطون جيدًا
الشارع الذي يفصل بين المكتبة والجامعة هو شارع ( بور سعيد ) الذي يلتهم نصف الإسكندرية ، مع شارعي ( أبو قير ) و ( جمال عبد الناصر )
القبه السماوية يمكننا أن نلحظها من هنا إذا دققــنا النظر في اتجاه شمال غرب قرص المكتبة ، وهي كرة صغيرة ، أتمنى أن تكونوا قد لاحظتموها
وجنوب القبة السماوية ، والذي يظهر كأنه سداسي أخضر ، هو متحف المكتبة الملحق بها
شارع (بور سعيد ) الذي عرفناه الآن ، يتقاطع هنا مع شارع ( سوتر ) الذي ينتهي جنوبًا ببوابة "كلية الحقوق " وينتهي شمالاً مع كورنيش البحر
البحر هو المثلث الأسود في أقصي شمال الصورة ، لكني لا أعرف لما يبدو اسودًا
ميدان " سعد زغلول " بمنطقة " محطة الرمل " وتمثال "سعد " في منتصف الحديقة الخضراء التي تبدو ، وفي الشمال شاطئ البحر
........ وإذا اتجهنا جنوبــًا سنجد أننا نتجه إلى

ميدان محطة مصر ، طبعًا كي أشرح طرقاته ، سأحتج عمرًا كاملاً
لذا أتركه لخيالكم الجامح

وهذه سكك حديد مصر

وصينية محرم بك التي تم افتتاح كباريها منذ اكثر من عشر سنوات ، يسمونها في الاسكندرية ( السريع ) وهي تقريبًا تربط شرق الاسكندرية بغربها ، هي افضل واسهل الطرق للمرور ، لكن لا بد من ( تأبيج ) امين الشرطة الذي قد تجده من وقت لآخر ، لكن اطمئن من مكاننا هنا فوق القمر ، سنخرج لهم السنتنا ، ونضحك كثيرًا .
هذه رحلة بسيطة اصطحبناكم فيها . ويعدكم الكابتن قائد الرحلة بأخري مشابهه إذا راقتكم هذه المرة ، لكن الان رجاءًا ربط الاحزمة والامتناع عن التدخين ، لاننا سنبدأ مرحلة الهبوط .
حظ سعيد

***

الأحد، ٢٠ مايو، ٢٠٠٧

قمر كبير ، أطفال كبيرة ـ 2 ـ

( من القصّــــة إلي المقالــــة )
تعتنق داليا ، أسلوب الحياة الهادئ في حكاياتها ، المنسجم معًا ، كأنه هدوء ماء النيل ، وانبساطه أمام عيوننا في سحرٍ وعذوبة ، وقوة ، وجاذبية ، و تعتنق الفكر المنطقي كأسلوب حياة ، رغبتها الدفينة ، في أن تري عالم أفضل ، وحياة أنقي ، جعلها - ربما لا شعوريًا - تتجه إلي بذور العالم الجديد ، وتحاول أن تساهم في تشكيله بأسلوبها ، وبفكرها ، الحيوات الصغيرة التي تنمو بين أيدينا ، ترافقهم ، تلاعبهم ، تحلم معهم ، وتكوِّن ببطء فلسفتها في تربية الأطفال ، وتعليمهم ، وتكوِّن أسلوبها الذي تراه فعّالا ، والذي - أحيانًا - تمارسه باقتدار مع الأطفال النجباء ، الذين تلتقي بهم . هكذا تشبع - ربما لا شعوريًا - رغبتها ، في أن يكون لها دورًا فعّالا في صناعة مستقبل أفضل ، وتكوّن رويدًا ، عالم خاص واقعي ، بعيدًا عن الخيال ، يحمل فلسفتها ، وحُلمهافي أن تكون في عالم لها تأثر فيه ، وعليه ، بعيدًا عن عوالم الحكي والقصّة . فوسواسها القهري - كما تحكي عن نفسها - أن تشعر بعدم جدواها في العالم ، أو الحياة التي تشارك فيها وتحياها . هذا وسواس قهري مفيد وجميل - مع الاعتذار للسادة الأطباء النفسيين -فأن تجاهد باستمرار كي تثبت ذاتك ، وتقدم فكرك ( وتضع ذاتك علي قمة هرم مازلو ) حتي لو وصلت ، سيظل بحثك عن الأفضل ،، وتعذبك في سبيل الاكتمال ، حُلمـًا جميل المنال ؟. من هنا أؤكد لداليا ،أنتي وصلتي إلي منتصف الطريق تقريبًا ، لكن الدرب طويل، والحلم جميل ، ووسائل المواصلات لازالت متاحة ، وبسيطة ، فقط تحتاج إلي مجهود أكبر ، وحماس أكثر . قدّمت داليا تجربة واثقة ، وناجحة ، في المجال القصصي ... ثم توقفت قبل خط النهاية ، لتخوض في تجربة جديدة في مجال المقال ،والخواطر . هل تري أنها حوّلت فكرها ، وكتاباتها من القصّة إلي المقالة ؟ تجربة القصّة القصيرةيجب أن تكتمل ، أو تمارس بالتوازي ، مع تجربة المقال ، أو الخواطر الفلسفية التي تقدمها ، أو أي تجربة أخري تراها . لحظات الصمت مطلوبة ، وأي موسيقي ناجح ، يفهم عذوبة وجودها بين مقطوعات ســنفونيته ،وتلاعب وترياته ، لكن حينما تطول لحظات الصمت ، سيظن الجمهور ،أن السـنفونيه انتهت ، واسدلت الحفــلةُ الستار ، فينهض مستعدًا للرحيل .. احترسي يا داليا لم يفت الوقت ، ولا زال الجمهور جالسًا في انبهار ، ينتظر اكتمال ألحان السنفونية التي شغفته ، فلا تتركي الحفل ،بحثًا عن سنفونية أخري ، وجمهور آخــر . التجارب تُمارس بالتوازي ، أو التوالي ، ولا تقدم غير مكتملة .
*****
لحظات الجفاف أو الجدب ، التي تمر بها أديبتنا الواعدة ، ربما كان سببها تجربتها في دخول مجال دراسة لا تحبه ، وتعاني منه . هكذا ، انت توجد في مكان لا تشعر به ، ولا يرحب بك ، ولا تفهم ميكانزمه ، ومضطر في الوقت ذاته على اتباعه، والخضوع لقواعده ، ودساتيره . تنفصل عن ذاتك التي تحبها ، وتتكوّن بداخلك ذات أخري هجينه، مشوهه ، تُجبر علي اتباع قوانين العالم الجديد ، الذي ألقيت فيه . وقليلٌ ماتستطيع أن تفر من الذات الهجينة ، كي تعود لنفسك ، وتقدمها في الثوب الذي اعتدته ، وأحببته ، وصنعته . هذه تجربة يعاني منها نصف - إن لم يكن كل - شباب هذه البلد التي تضع ارتباطات شرطية عجيبة في سبيل الوصول لمجال الدراسة المفضل ، وتضع اسلوب دراسة ، وامتحانات أقل ما توصف به هو التأخر والرجعية ، في سبيل قياس مستوي الطالب الدراسي . الامتحانات النظرية ، فقط ، الأسئلة التقليدية ، المفروضة التي تقتل الخيال ، وتغتال الأبداع ، فتفرض قوالب جامدة مقدسة ، ملعونٌ من يتعداها . ومع قولبة الفكر ، وتعبئته في نصوص محفوظة ، ونتحول إلي كهنة لوائح ، ونصوص ، وتموت روح الشباب وجموحه ، ويجبر ويجبر علي سلك مسالك أخري غيرمرغوب فيها ، فينحدر مستواه ، وبالتالي مستوي التعليم ، يليه مستوي الإنتاج بعد التخرج ، بافتراض وجود مجالات عمل أصلاً ، ونُتهم بعد ذلك أننا متخلفون ، وأن انتاجنا ضحل ، وأننا ضمن دول العالم العاشر ، ونطالب بأن نغير هذه الأوضاع ، ونتخطاهــا .
****
تجربة المقــــــال ::
التجربة التالية التي خاضتها أديبتنا ، هي تجربة المقال،، ( بعض خواطرها تكاد تكون قصّة قصيرة بالمناسبة ) وهي هنا ، في تقديم المقالات ، تنتهج أساليب جديدة ، وأحيانًا غريبة جدًا . فمقال (
فيلم وثائقي قصير ) الذي نشر في سلسلة بدايات ( التابعة لدار ليلي للنشر ) في عددها الخامس ( ليلة القبض علي ميت ) ضمن مجموعة القصّة الصيرة ، والذ نشرته داليا نفسها ضمن ركن المقالات ، كان لي منه موقف عجيب بعض الشيء ، فهو في رأيي ، ليس قصة قصيرة ، وليس مقال ، وليس خاطرة .. هو محاولة غير مكتملة لتقديم سيناريو ، فلو نظرنا إلية من ناحية التكوين الأدبي ،فقط - بعيدًا عن هدفه النبيل فعلا - سنجد أنه رؤية مخرج بسيط الخبرة في تقديم فيلم قوي ، مستخدمًا فن السيناريو الرهيب . أسلوب تحريك الكاميرات ، يوحي بإحساس عالي جدًا ، وفهم للغة الصورة - أجمل لغات العالم كله -لكن أعتقد أن أديبتنا لم تتعمق - أو تقرأ بالشكل الكافي - في دهاليز السيناريو . فعند تقديم السيناريو ، لا يجب الحديث إطلاقًا عن تحركات الكاميرا ، لا يجب الحديث إطلاقًا بشكل سردي بحت عن الأراء الشخصية دون ادخالها في نص حواري ، أو صورة متحركة أو ثابتة ، كذلك لا نستخدم في السيناريو التيمات النصية - التي تستخدم أحيانًا في القصّة - وإنما قد نستخدم التيمات الحوارية أو المرئية أو الموسيقية، لا نستخدم النتائج الإحصائية بهذه النوعية من التقديم الجاف ، بطريقة المقالات . ويكون للسيناريو شكل عام ، و مفردات معينة ، وطريقة سرد ، استخدمت الكاتبة شيئًا منها ، ربما بمجرد الحدس فقط ، والإحساس الفني الذي يميزها . هنا نجد أن ( فيلم وثائقي قصير )من ناحية تكوينه الأدبي ، خلط بين ثلاثة تكوينات هي ( المقال - القصّة - السيناريو ) بدون قصد .
لو قرأت كاتبتنا ، في السيناريو لأمكنها تقديم فيلم جيد ، وجديد ، وجذاب ، يترابط مع هدف النص الذي كتبته ، ليكون عملاً مكتملا رائعًا . هذا عن التكوين الأدبي لنص ( فيلم وثائقي قصير ) ، فماذا عن رسالته السامية ؟ في اعتقادي هذا العمل ، جاء بعد الاحداث المفجعة ، في ( وسط البلد ) أثناء عرض فيلم رديء ، لراقصة مبتذلة ، وما تلاه من هياج جنسي ، وثورة عارمة ضد الفتايات جميعًا . وتضع الكاتبة العبء على الطرفين ، الرجل والمرأة ، المرأة التي تقدم نفسها كبضاعة في ثوبٍ مغري دائمًا ، والرجل الذي لا يملك رأسًا ، ولا يعرف كيف يوجه ذاته ، ويكبح جماحها ، وهو تفكير منطقي ، ومحايد تمامًا

*****

مقال أخر ( وإن تشابه مع الخواطر في كونه أحداث حقيقية حدثت فعلاً ) هو ( تلك التي ألقت شريط أقراص فارغًا في سيارتي..! ) وهو نص تقليدي ، في تكوينه الأدبي ، تتحدث فيه عن حادثة حدثت بينها وبين طفلة من أطفال الشوارع ، تبيع المناديل الورقية ، وتقدم بضاعتها لزبائنها في الشارع ، وهي صورة من صور التسول ، وكغالبية الزبائن المرفهين ، ترفض الكاتبة الشراء بأدب قائلة ( لأ ، ميرسي ) فقط. وكأن الكاتبة تتوقع من الطفلة أن تقهم معني ( ميرسي ) ، وأنها لم تستمع سوى لكلمة ( لأ ). لقد لفظتها الكاتبة ، بالضبط كما يلفظها العالم كله ، توقعت من ملامح ( داليا ) التي تجذب الأطفال كما تقول ، أن تكون أحن عليها من باقي الناس ، لكن هذا لم يحدث ، بالتالي قررت في يومها التالي ، أن تفعل شيئًا من اثنين ، أما أن تنتقم ، أو أنها أرادت ( نكش ) الكاتبة ، عن طريق ما فعلت ، لربما استدرجتها في أن تنتبه لها ، وتلعب معها . لكن الفتاه في المرة الأولي تترك شريطًا ( من أشرطة الدواء ) في الكرسي المجاور للسائقة ، وتمضي في طريقها . تندهش الكاتبة ، وتتساءل لماذا ألقت الطفلة ( فضلاتها ) أو ( قمامتها ) - حسب تعبيرها - في سيارتها (!!!) الشريط الذي القته الفتاه ، هو أقراص ( إيفانول ) ، الذي يحتوي علي مادة الإيفدرن المخدرة ، والذي حتمًا تدمنها الفتاه . وتقف الكاتبة عند حد التألم لهذه الفتاه ، وأن هذا قد يكون رسالة لشيءٍ ما لكنها لا تعرف كنهه . تركض إلي مدونتها ، لتضع هذا المقال ذو الطابع الصحفي الإخباري ، بعيدًا عن أي مغزي انساني . أتوقف هنا بذهول ، غير مدرك طبيعة ما حدث لروح الكاتبة ، الروح التي توحدت في بداياتها ، مع هذا الكون ، لا يمكن أن تتوقف أمام حادثة كهذه عند التألم ، والتساؤل ، والعرض . حتي ما شعرت ، ضمن ما شعرت به ، هو ضيقها من أن هذا الموقف قد حدث لها هي بالذات ( !!!! ) ، هي إذن لا تعرف بأن مثل هذه المواقف تحدث كثيرًا جدًا ، وأكثر مما قد يتصور البعض ، وأن انتشار اطفال الشوارع ، في كل مكان بمصر ، وان احتمال اصطدامهم ، بكل شخص عادي ، وحدوث مواقفهم العجيبة ، وارد جدًا ولا يحتاج لمثل هذه الدهشة . إننا - كذلك - لا نتحدث عن شخصيات سويّة ، يمكن فهم نفسياتها بسهولة ، وفهم ارتباطاتها الشرطية ، التي حدثنا عنها ( بافلوف ) ، إننا نتحدث عن مجتمع آخر ، اختلفت لديه دلالات الأشياء ، ولغة الإشارات ، وارتبطت بمعاني أخري ، قد لا نفهمها ، لإبتعادنا عن هذا المجتمع الذي يتكون داخل مجتمع آخر ، أكبــر ، وأقسى ، مجتمع يلفظ الكيانات الصغيرة ، ويطردها ، فعليًا ، وعمليًا ، وواقعيًا ، بينما يحنو عليهم ، ويتألم لحالهم نظريًا ، وعلي شاشات التليفزيون ، لتسول مشاعر المشاهدين ، فقط . مجتمع مريض بالفصام ، يقول أشياء ، ويفعل أشياء أخري . وحتي أديبتنا الواعية ، انتقلت لها العدوي ، من هذا المجتمع ، فلفظت البنت ، قائلة ( لأ ) ، وتوقفت مشاعرها عند حد ( الخوف ) و ( الأبتعاد ) عن هذه النوعية من الأطفال غير ذوي الأهلية ،وإن كان في ( ابتعادها ) موقف طبيعي لكونها أنثي ، فإن في ( لفظها ) و ( خوفها ) رد فعل غير منطقي ، وغير مفهوم !! هنا أتوقف باستغراب شديد عند نقطتين أكتشفهما في نفس الكاتبة :ـــ الأولى : - حادثة كهذه أدعى أن تحرك مشاعرها ، من رقادها ، لتبدأ في سطر أراءها وأفكارها الخاصة ،من خلال تكوين أدبي ذو قيمة ، وذو قدرة تأثيرية بعيدًا عن ( مقالات التدوين ) لكن هذ لم يحدث . إذن الأرسال الإلهامي متواجد ، فقط يحتاج إلي هوائي مناسب ، يستطيع التقاط ذبذباته ، لتقديم عرضه الفني . لكن العرض لم يقدم . هل جارت الأديبة الموهوبه - بهذا - روح العصر في تقديم مجرد تدوينات إخبارية ، بهدف ( التدوين للتدوين ) ؟ الثانية : - هي أنا داليا يونس كانت تلتقط من أبسط الأشياء .. من مجرد ( فراشة في غرفتها.. ) حديث فلسفي جميل يعرض تاريخ أمّة بأسرها . وكانت تلتقط من أغنية ( بيتي صغير بكندا.. ) قصة إنسانية ، جميلة جدًا ، ورقيقة جدًا . كانت تلتقط من أتفه الأشياء وأقلها - بعينها الدقيقة جدًا - حكايات كثيرة جدًا ، تستخدمها لعرض أفكارها ، وعالمها الخاص . هي ذاتها حين تنزل إلي الشارع ، وتختلط به ، وتصبح طرفـــًا في حوداث معينه ، تعاني من فهمها ، وادراك كنهها ، ولا تفعل شيئًا أكثر من الأستغراب والدهشة والضيق . هكذا نكتشف ببطء تاثير البيئة التي نشأت فيها ، علي روحها ، وأسلوبها ، وهي بيئة راقية ، ملتزمة ، مثقفة ، واعية ، متفتحة . وإن كان في رقيها ابتعادًا - بعض الشيء - عن باقي طبقات المجتمع الدنيا ، أو شديدة الدنو ، وقد صنع هذا بعض الإختلافات في نوعية تفكير أديبتنا ، واعتقادها بعدم اختلاف الدلالات والمسميات ، لدي الثقافات ، ودرجات الدراسة المختلفة . لقد اغلقت تلك البيئة علي هذه الروح الموهوبة ، فتكورت حول ذاتها ، وصنعت شرانقها الخاصّة ، الجذّابة ، وغزلت حرائرها الذهبية ، الجميلة ، وحين اكتملت أطوارها ، وتحولت إلي فراشة بديعة الألوان ، ملائكية الأجنحة ، وحين قررت الطيران ، والخروج من بوتقة الميلاد ، اصطدمت بالواقع ، واصطدمت باختلافه عن واقع الحياة الأولي . اختلال التوازن الذي نتج عن هذا الاختلاف حوّل أسلوبها .. وتفكيرها .. خاصة مع وجود مؤثرات أخري عديدة ، مثل رغبتها في مجاراة عصر التدوين ، مثل التهافت علي أعمالها ، ومقالاتها ، الجذّابة فعلا ، مثل رغبتها في تحقيق ذاتها ، وإثباتها ، بغض النظر عن الأسلوب ، وإن كان هذا علي حساب ترك تجربتها المبشرة جدًا في مجال القصّة ، أو اهمالها على أقل تقدير . لو نظرنا للموضوع ، من وجهة نظر نفسية ، فسنجد العلماء يتحدثون في علم النفس التقليدي ، عن اختلاف السلوك الفردي ، عن السلوك الجماعي . إننا هنا نتحدث عن مسألة ، الإستجابات الأنفعالية - التي تعبر عن النواحي الرئيسة - في حياة الفرد والجماعة . اختلاف الاسلوب في السلوك الفردي ، في الحياة الأولي ، وفي ملاحظتها للأحداث من زاوية المتفرج ، أو زاوية عين النسر ، كما يقول السينيمائيون ، عن الأسلوب ، في السلوك الجماعي ، حينما تصبح طرفًا في الحدث . هذا يتطلب من الاديب أن يخرج قليلاً عن ذاته ، ويتجرد من نفسه ، ليشاهد التجربة كاملةً من بعيد ، فيكون أقدر علي تقييمها ، وتوظيفها . هذه نقطة تحتاج إلي كثير من الصبر و الفهم والمعاناة، كي تستطيع أديبتنا التغلب عليها ، وتخطي هذه الهوّه ، وإسدال التراب عليها إلي الأبــــد. اليأس من التجربة كلها ، وهجرها ، يشي بروح فاقده معني الصبر ، ولذّة التحدي ، وإرادة الوصـــول ، وهي روح لا تملكها أديبتنا ، بل ولا تفهم كيف يمكن لهذه الروح ، الإنهزامية ، أن تتواجد في هذا العالم . جيرالديـــــــن ) روح رقيقة فعلاً ، لكنها كذلك تشع قوّةً وإصرارًا ، وبهـــاء .)
***
لأنها فتاه جميلة ، ولا أحد ينكر ذلك ::
هي شابة واعدة ، تمتلك موهبة صارخة ، هي لم تتجاوز الثانية والعشرين من العمر ، لكن كتاباتها معالم أدبية جذّابة ، جاءت من هذا العالم الآخر ، الذي يحوي أناسًا غير معتادة ، تعودوّا أن يروا العالم بعيون مختلفة ، ويحسونه بمشاعر لا يفهمها كثيرون ممن يحييون حولنا . العالم الذي يعرف أفراده بعضهم ، بمجرد أن يتلاقوا ، وأن ينظروا في عيون بعضهم ، أو حتي يجتمعوا في كيانات هائمة عبر الفضاء السايبري ، الذي يضم هذه الأرواح ، ويحتضنها في حبٍ وشوق . هو نفسه العالم الذي ترعرت فيه ، أرواح (أبي القاسم الشابي) ، (فدوي طوقان ) ، و (شاكر السياب ). لكنه اليوم يضم- نفس العالم- أجيال جديدة تطلق لأحصنتها الجامحة الخيال ، كي تنطلق في هذا العالم ، في فتوحات خيالية ، توسّع أرجاءه ، وتلغي من قاموسه معني كلمة ، الحدود والنهاية . هي روح كبيره ، لكنها تملك براءة الأطفال ، وعوالمهم الخيالية الجميلة ، لو قدر لنا أن نطلق مصطلح ( عالم الأطفال الكبيرة ) فهذا هو عالم داليا يونس ، أطفال في أرواحهم الغضة البريئة ، وكبار في نضجهم العقلي ، والنفسي ، والثقافي ، والعلمي ، والفلسفي . فعالمها يكون فيه ( القمر كبير ) والأمل كبير ، والنور ، والنقاء كبير ، وحيث تكون ( الصحراء أصغر ) . هذه جملة موحية جدًا ، أجمل من أن يتم تفسيرها بهوج ، يضيع معالم جمالها . أرجو ألاتتوقف ( داليا يونس ) عن عشق القصّة القصيرة ، والخوض فيها بكل ما أوتيت من خيال ، وحب ، وتفاعل . من المحزن ، جدًا ، أن تتوقف هذه التجارب المبشِّرة ، التي تعد بألوان جميلة من المتعة ، و عوالم أجمل من التفرد ، والنقاء . أرجو ألا تتوقف لأن الخسارة الثقيلة ، ستكون من نصيب القارئ ، ورويدًا ، سيضمر هذا العالم الرحب، الذي بدأ يتكون ، في ثقة ، وتتضح معالمة ، وتعلو في شموخ . سيبدأ في الانكماش حول نفسه ،ويتكوّر ، وتنهار قصوره ، وتذوي جباله ، ويطويها النسيان . أنا لا أريد لهذا العالم ، البديع ، تلك النهاية السوداوية ، المؤسفة ، هذا عالم خُـلِقَ كي يبقي ، ويستمر ، ويشمخ ، وينضم إلي تلك الفتوحات التاريخية ، التي خلَّـدها تاريخ الأدب ، علي مر العصور . أعرف ان لحظات الإنتكاس ، والانكسار ، وارده جدًا ، لكني أثق كثيرًا في أن تلك اللحظات، تمهد إلي لحظة انتفاضة المارد العملاق ، كيّ يعود إلي الساحة بأقوي مما كان . يرجع إلي توسعاتهِ ، وفتوحاته، من إجل إثبات عالمه ، بشهادة ميلاد جديدة ، غير قابلة للإلغاء ، أو التشكيك ، هذه لحظة ، كُلِّــي أمل في قدومها ، وإني لأنتظرها في صبر .. وأثق فيهـــا .. كما يثق الفلكيّ ، في صدق حساباتهِ ، وتنبؤاته... مهما سَخِرَ منه المارقون .. وطالبـــــــوا برأســهِ .

*****

لو كان لهذه الدراسة هدف ، فهو أن تخبر أديبتنا العزيزة ، مدى النجاح الذي وصلت إليه تجربتها ، ويعيد إيها الثقة في قلمها الرشيق ، وعالمها الآســـــر. وأن يرشد السُفن الهائمـــة ، إلي تلك الجزيرة العائمـــة ، التي تمثل الجنّـــة ... إذا قُـــدِّر لها ، أن توجد على الأرض .

******
تمت الدراسة بحمد الله
مصطفي يحيي
الإسكندرية

الأربعاء، ١٦ مايو، ٢٠٠٧

قمر كبير ، أطفال كبير ـ 1 ـ





في فَلَكِ الكِبارِ دُرنــا ، وحول مداراتهم الإجْبَاريّـةِ سِرنـــا ، وتحت وطء ونيِـر ِ جاذبيتهم الشديدة ، دُرنا حول أنفسِنا، وفقدنا هويتنا ، وببطءٍ تحولنا إلي كياناتٍ تابعــة ، واخْتلطت هوياتنا وسط طوفانِ الأيام الذي لا يهدأ ، ولا ينفك يلعب لعبته الأثيرة ، في تحِويلنا إلى عرائسِ ( ماريونيت ) نَجِيبة ، يحركها الآخرون ، ويلهون بهــــــا دهرًا كاملا النجوم الكبيرة التي أغرقتنا ، و ألبستنا ثوبَهــا المرمريّ ، تغزل أطرافَـهُ حول أعناقِنا ، وتحيط كفوفِنـا بأغلالهــا الذهبيةِ المطرزة. لقد قررت الكويكبات الصغيرة ، أخيرًا ، أن تخرج عن فَلَكِ المألوف ، وتصنع لنفسِها قوانينها الخاصة ، ومداراتهـا المستقلة ، ولسوف تملك الأقمار كي تنيرَ لها الطريق ، والجاذبية كي تبهر تلك الثقوب السوداءِ القاتمة ، التي أوشكت يومًا ما علي ابتلاعها . إنه الجيل الجديد الذي يتكون ببطءٍ في رحم الكون ، لقد شدّ طرف الخيط المغزول ، فانهار الطوق كله ، وانطلق غيرُ آسفٍ على العالم الذي تركه ، سعيدًا بحريتهِ ، مقدسًــا لهــا . لقد صنع عالمه الخاص ، بوتقته الخاصّة ، أثوابهُ الجميلة ، يغزل خيوطها في حبٍ ، ويزينها برتوشِه وألوانه المزركشة ، يعرضها في فتارينه البراقة ، فيتجمع حوله الشباب من كلِّ بقاع الأرض . إنه الجيل صغير السن ، عظيم الموهبة ، بديع الأفكار ، سويّ الاتجاهات ، يصنع عوالمه الخاصة ، لكن أغلب الكبارِ لا يلحظون شيئًا ، ومن يلحظ يتحدث عن ( لعب الأطفــال ) الذي لا ينفك يصدع رأسه بحماسه الزائــد ، قليلون من يهتمون ، نادرون من يقيمون . ووسط تلك النجوم الصغيرة ، التي تصنع مجموعتها الشمسية الخاصة ، ويزداد تألقهــا يومًا بعد يوم ، وتلملم حولها بدورها ثلة من الكويكبات السيّارة العابرة ، اخترتُ أن أتحدث - هذه المرة - عنهــــــــــا ....

*****

هـــى:: داليا إيهـــاب يونس عبد الله

*****

حيث يتجسّد الجمال في في صوّرٍ ومشاهدٍ ، وحكاياتٍ ، وكلماتٍ شاعرة ، وعينٍ مدققة ، تعرف مواطنه ، وتدرك خباياه ، وأصابع نشيطة ، تتراقص فوق الـ( كي بوورد ) كي تدوِّن لحظات الحياة الآثرة ، في هذا العالــمِ الذي يندر فيه الجمال ، أو كاد أن ينعدم . البراءة ، الصّدق ، البهـــــاء ، البساطة ، والروح الحالمة الشاعرة التي تطَّلع علي هذا العالم ، بمنظار التوحد ، والحب ، والصفاء النفسي البليغ ، الذي يصل في بعض الأحيان إلي مرتبة الملائكية ، هذه هي : داليا إيهاب يونس. أديبة شابة ، واعدة ، كان ظهرورها الأول - بالنسبة لي علي الأقل - عبر صفحات عالم ( المحاربين الجدد ) الذي يقدمهُ الأب الروحــــــي لجيلنا الجديد ، د/ أحمد خالــــد توفيق . شاركت في العديد من المنتديات ، وإن كنتُ أعتقد أن منتدي ( روايات التفاعلية ) هو أولها . فازت في العديد من المسابقات ، وليست مسابقة ( ديوان العرب ) هي آخرها . وإن انتهي بها المطاف حتي الآن ، إلي عالم المدونات حيث تقدم مدونتها الرائعة التي كسرت حاجز الأرقام القياسية في عدد زوارها ، وسقط السيرفر الخاص بها أكثر من مرة بسبب تعدي الردود والمشاركات الحد المسموح به . هي المدونة التي ظلّت فترة طويلة جدًا هي صفحتي الرئيسة ( في مملكة جيرالدين ) ، " التي تجعل الصحراء أصغر ، والقمر أكبر " وبهذه الجمله الموحية جدًا ، تلخص ( داليا يونس ) فلسفتها ، ورسالتها التي تود أن تصل للآخرين . هناك ، كنتُ أقضي أجمل أوقاتي ، أغوص في هذا العالم الرحب الجميل ، الذي يقدم فلسفة الجمال والحب والسلام . عالم جديد ، وحياة جديدة ، تقدمها أديبتنا الطبيبة ( بالإرغام ) الواعدة جدًا . *** ولماذا ( جيرالدين ) تحديدًا ؟ تقول داليا : إنه إسم فرنسي شيوعًا.. جرماني أصلاً.. وهو مؤنث لاسم Gerald.. والذي يعني - تبعًا لقواميس الأسماء الجرمانية- "التي تحكم وتملك بسهم" !وهو في الوقت نفسه أسم ملكة من ملكات " ألبانيا " تقول عنها داليا : ( تأمل معي تلك الرقة الغريبة المشعة من وجهها.. رقة حزينة غريبة جدًا فتنتني منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها.. والاسم ذاته موسيقي ساحر ) . إذن فأديبتنا تبحث عن الرقة ، والقوة معاً ، قوة الباطن متمثلة في معني الإسم اللغوي ، ورقته وجاذبيته في نطقهِ ، وفي رمزه لملكة ألبانيا ، عام 1938 تقريبًا . وببطء ، وكما سنكتشف معًا ، نجد أن هذه هي سمات أدب ( داليا يونس ) ، القوة في المعني ، والبساطة في التقديم ، فيتكون لدينا ببطء مزيج ساحر من الكلمات الممزوجة بدقة ، وبموهبة واثقة ، لتقدم لنا عالمها ، وذاتها الخاصة .

*****

هي ::

ولدت ( داليا يونس ) في القاهرة في الخامس من يونيو عام 1986 في مستشفي الدكتور (سمير يونس ) وهو عمها بالمناسبة ، إذن ، تاريخ 5 يونيو يحمل انتصارًا جميلاً في عالم الأدب الإنساني الحالم ، علينا أن نتذكر هذا إلي جانب ذكرانا السيئة عن نفس التارخ قبل أن تولد داليا بأكثر من ثلاثين عاما . نشأت داليا ، وسط عائلة طبية ، فوالدها هو الدكتور " إيهاب يونس " أستاذ الجلدية والتناسلية في كلية الطب جامعة ( بنها ) ، ووالدتها طبية مخ وأعصاب ، وأختها تدرس الأسنان في جامعة MSA. بالإضافة إلي هذا هي عائلة مترابطة جدا ، مثقفة طبعا كما هو واضح ، وتملك أسلوب حياة خاص بها ، تفرضه علي جميع من ينتمي لهذه العائلة الكبيرة ، وكان لهذه البيئة تأثيرها البليغ علي روح وكيان الطفلة الواعدة ، التي تتكون مفاهيمها عن الحياة ببطء ،العالم جميل ، ويستحق أن نحياه ، ولكل إنسان حياته الخاصة ، التي تمتزج مع الحيوات الأخري لتصنع حياة جديدة متكاملة ، مترابطة . وداخل عالم ( داليا ) الصغير ، الممتلئ بأحلي المعاني ، المثقف جدا ، والواعي جدا ، كانت تتداخل بعض المعاني الحزينة ، ربما هي ضربات الأقدار التي كانت تلحظها في محيط عائلتها ، ربما وفاة أحد أقاربها، أو حدث مؤسف يحدث ، وإن كان الموت يسيطر كثيرًا علي كثير من بداياتها . هذه نقطة هامة جدًا ، هذه الروح الجميلة البريئة قد رأت الكثير ، وتعي أكثر. للموت تداخلات كثيرة في حكاياتها ، فبين أن يكون اقترابه أحد اسباب السعادة ، للشعور باهتمام مفقود ، أو يكون الخلاص من مشكلة مصيرية تواجهها ، أو نهاية تراجيدية لعالم جميل ، يترك أصداءه في النفس أبد الدهر . وللموت - كذلك - العديد من الرموز لديها ، فهو قد يصيب المعاني ، فتكون نهاية معني أو حلم في نفسها صورة لموت جانب من روحها ، أو من عالمها ، أو من مشاريعها الطموحة ، وأحلامها .

*****

هي ، في خيالها ، وخيالهم ::

تتنوع الشخصيات التي تقدمها ، وإن كانت جميعًا ، تعكس جوانبًا ما مما يعتمل بأعماقها ، فهي أحيانًا شخصية حالمة رومانسية تصطدم بقسوة الواقع ( ستة أشهر معطرة ، المشهد المعتاد ، مكالمة العصفورة ، سأقتلها حتمًا.. سأقتلها بالتأكيد! ، ضحكة دامعة ، ....... إلخ ). أو شخصية حالمة تري العالم بعيون ناعسة جميلة ، فتستخلص فلسفتها الخاصة ، وترصد لحظات جمال هذا العالم القبيح ( فراشة في غرفتي ، مكاتيب فيروزية ، قبلة في عمارة من الطوب.. ، ..... إلخ ) وأحيانًا أخري تلعب دور المتفرج علي العالم ، فكأنها تتابع مسرحية أو فيلمًا في السهرة ، ثم تكتب خواطرها عما رأته - وإن كنت أعتقد أن هذا هو أضعف أساليبها - ( حزن البلّور ، شباكك فل ، عيون.. وعين جديدة جدًا ، ..... إلخ ) ولا تخلو حكايات داليا يونس وشخصياتها ، من الشقاوة ، والمرح الطفولي ، وبراءة العبث ، وجماله ، وحميميته كذلك ، ( كن خطيبي ! ، عملية إنقاذ أوتوبيسة ، ..... ) إذا جمّعنا شخصيات ، داليا ، وحاولنا أن نفهم من خلالها تلك الإنسانة التي تتحدث ، سنعرف على الفور هذه الروح الطيبة ، التي لم تلوث بعد ، واتي تحاول نقل نقاءها ، إلى من حولهـا ، كي تساعدهم علي العيش بصورة أفضل، وهى نفس فلسفة ( بنتام ) (Bentham ) حين قال جملته الشهيرة ( يجب أن نبذل كل طاقتنا لنجعل أكبر قدر ممكن من الناس سعداء ) . هدفهــا أن يخرج القارئ من عندها ، أفضل حالاً ، وأقدر علي مواصلة حياته ، شاعرًا بالجمال ، والحب ، والأمل . وهو لعمري ، أسمي مراتب الفن ، وأعلي منازل الإيمان

*****

علي أبواب المملكة ::

هناك أشخاص مختلفون ، هذه حقيقة نعرفها جميعًا ، حينما تحدث ( هانز كريستيان أندرسن ) عن البطّة القبيحة ، كان يقصد هؤلاء الذين يحيون في عوالم لا ينتمون إليها . حينما كبرت البطّة ، واكتشفت أنها تنتمي إلي عالم ( البّجع ) شديد الروعة ، القادر على الطيران ، شعرت بذاتها ، وبهدف وجودها ، وانتمت - أخيرًا - إلي العالم الذي حُرمت منه كثيرًا ، واستطاعت أن تشعر بروعة الإختلاف . أعتقد أن علينا أن نبحث عن ذواتنا الحقة ، ونكتشفها ، ونهبها للعالم الذي تستحقه ، كي نشعر بجمال هذا العالم . إن الحياة قاسية فعلا ، وأنت تكشف النقاب - كل يوم - عن مزيد من البثور بداخلك ، هناك من يكشف جرحك ، ويطأه بقدمهِ ، وهو يعبر على مجرى حياتك . وحديث ( جيرالدين ) الملكة ممتع فعلاً ، لمن يصغي إليه ، فهي تحاول أن تشفي البثور والجراح ، ولسوف تعلمك أن تنتهج أسلوبك الخاص ، لتختار الحياة التي وجدتّ من أجلها ، ولا تحيا بقية عمرك مجرد ( بطّة سوداء قبيحة ) . أقبل يا صغيري .. لا تخف ... وسوف تحكي - فيما بعد - لرفاقك ، عن ( جيرالدين ) المذهـــــلة ، التي علّمتك كيف تصطاد ذاتك ... من وسط هذا المستنقع العــــــفن .

*****

معالم المملكة الجديدة ::

(داليا يونس) تملك مفرداتها الخاصة جدًا ، البليغة جدًا ، الحميمية جدًا ، وإن كانت تستقي - في بعض الأحيان - مفردات عوالم " فيروز " أميرة غناء العرب ، فهي تتحدث عن السنونو ، وبيسان ، وتعشق نيسان ، ترحل إلي بيت صغير بكندا ، إلي آخر هذه المفردات الرومانسية ، الجميلة كندف الثلج . هناك العديد من النظريات الفلسفية في الأدب ، نظرية ( الجمال للجمال ) أو ( الفن للفن ) ، نظرية ( رسالة الأدب ودوره ) ، هذا بخلاف اساليب الإسقاطات ، والرموز ، التي تستخدم للبوح بمكنونات نفسٍ لا تجرؤ علي العصيان . وداليا تستخدم كل هذه النظريات والأساليب، ولا تتحيز لفكر علي حساب فكر آخر ، تتخذ كل الأساليب الممكنة ، في سبيل الوصول إلي الهدف السامي ، وهو الشعور بالجمال . وإن كانت في بعض الأحيان تميل لنظرية ( الجمال للجمال ) وتستخدمها بهدف تطهير النفس ، وتنظيفها ، وهو أسلوب يختلف كثيرًا عن أساليب حكايات الرعب التي تستخدم التطهر ، بطريقة ( إخراج السيء) ، فإن التطهر الذي تتبعه هو ( إدخال الجمال ). ففي حكايتها ( قُبلة في عمارة من الطوب ) ، التي تكاد تكون قصّة قصيرة فعلا ، تتحدث عن زوجين شابين ،يسكنا بيتًا جديدًا ، بالمهندسين ، في عمارة لازالت بالطوب الأحمر ، تقبل الزوجة زوجها المحب المتحمس ، في حبٍ ، وهو يحدثها عن مستقبلهما معًا ، هكذا تري الأديبة في هذه القُبلة ، أسمي معاني الحب ، وأبلغ درجات الإخلاص . اقرأ هذا النص ، ثم تعالي وأخبرني عن شعورك ، هذا جمال للجمال ، تطهير للنفس ، ورؤية بديعة للعالم من حولنا . و في حكايتها ( عن لقائي الأول مع الله ) تستخدم أسلوب قد يكون مباشر ، لكنه رقيق ، صوفي ، جذّاب إلي أقصي الدرجات ،لا تستطيع مع نهاية هذه الحكاية إلا أن تهيم في عالم ممتلئ الأضواء ، ملائكي ، يبتعد عن هذا العالم الأسود الذي لا يفهم هذه المفردات ، وتلك الحيوات . جدّة ، تحدث حفيدها عن لقائه بالله - تبارك وتعالي - ومن خلاله تقدم داليا خلاصة فكرها ، ونظرتها الصوفية الجميلة للصلاه ، هنا تتبع رسالة الأدب ، وهدفه ، في أسمى معانيه . وفي ( ضحكة دامعة ) ، تستخدم الرمز والإسقاطات ، فتجربتها في دخول كلية أخري ، بخلاف الكلية التي تتمناها ، بسبب تفوقها ، وبسبب إصرار ورغبة أهلها ، له أبلغ الأثر في روحها الرقيقة . ففي ضحكة دامعة ، يختلط ، حلم بألم ، فرح بأسي .. حلم الكبر ، حلم الدراسة ، حلم تحقيق الحلم . حينما يواجه كل هذا ، أحلام أخري مختلفة ، شريرة أحيانًا ، وعابثة أحيانًا أخري .. قصة رمزية إلي أبعد الحدود ، مأساوبة إلي أقصي الحدود . حينما ، تتوقف الحياة علي لحظة واحدة ، فقط لحظة واحدة ، يتحول فيها قضيب القطار إلي نقطة أخري رغمًا عن السائق الذي لا يملك التحكم في اتجاهات القضبان . فقط عامل السكة الحديد ، هو الذي يوجهه من مكانه البعيد. هنا يتحول الأدب ، لدي داليا يونس ، إلي نوع من الفضفضات النفسية التي نجدها في روشتات الأطباء النفسيين ، إسقاط الحلم ، وإسقاط تهاويم النفس ، وتحويلها إلي أشياء لها بعد ، وطول وارتفاع . هذا لايبخس من جمال المحاولة شيئًا ، بل علي العكس تمامًا ، فالتعابير ، والجو النفسي ، والإيحاءات في أوجها ، تتحقق هنا كل شروط القصة القصيرة كما يوصي بها مدرس اللغة العربية . ولحظة الإنتحار ، في النهاية ،صيغت ببساطة ، واقتدرا ، وتأثير عالٍ جدًا . يوازي هذا ليس انتحار البطلة في الواقع ، ولكن انتحار أحلامها ، انتحار ( هي ) التي كانت تتمني أن تكونها . هذه القصة كعمل أدبي بليغ جدًا ، كلما مررتُ به لا بد أن أقرأه ، وأستمتع به ، فله مذاق خاص في صدري

*****



في دهاليز المملكة ::

أول مانلمحة في أقاصيصها ، هو الجودة ، الدقة ، والأصالة الشديدة ، الأصالة في أفكارها ، وأسلوب حكيها ، هي لاتكرر أحدًا ، ولاتستقي من السابقين ، ولا تعيد أفكار الأخرين . إن ما ينتج منها من نصوص أدبية ، إنما ناتج عن أسلوب جميل في الســـرد ، أفكار خاصة يمكن أن تلحظها ، وتميزها بين عشرات الأفكار ، والحكايات المختلفة . هي تعرف كيف تصنع عالمها الخاص ، وتحيطه بسياجٍ منيع ، ثم تفتح أبواب مملكتها ، إلي كل السائحين من كل مكان . كتاباتها ، معالم سياحية بارزة ، لها رونقها ، وجمالها ، وجودتها ، وأصالتها ، وتفردها ، ورقتها البالغة التي تأسر الألباب ، وبراءتهــا ، التي تصيبك بمجرد أن تنهي آخر كلمة في كلِّ مرة . في كتاباتها ، تهوي ( داليا يونس )، تكسير القوالب الجامدة ، ومحاربة الأفكار الثابتة ، التي تدعي التفلسف، أو التحضّر ، هذا ناتج عن روح الطفلة الكبيرة في داخلها التي لازالت تهوي تكسير الأشياء التي لا تروقها ، ومحاولة إعادة تشكيلها من جديد . فتقدم أفكارها الخاصّة ، المختلفة عما هو متداول ، وبأسلوب يفيد تمامًا موقفها ، ويدعِّم رأيها .

ففي أقصوصتها ( واد جدع ) تقدم رأيها الخاص عن ( عمالة الأطفال) من خلال حكيها عن "تبّاع " طفل لم يتعدي السابعة من عمره ، يقوم بواجباته بكل حزم ، ورجوله لم تكتمل بعد ، وبذات الميكروباص الذي تركبه الراوية ، طفل آخر مع أمه في ذات السن تقريبًا ، تعلمه أمه كيف يتكبّر علي خلق الله ، ويتصرف برقي ، كأنه أفضل من باقي البشر ، وتنطلق المقارنة بين الطفلين في رأس الراوية ، أيهما يستطيع أن يتحمل قسوة الحياة التي تنتظره ؟ ، أيهما يتم تنشئته كرجل حقيقي ، وليس مجرد ظل أخر لاجدوى له ؟ هي لا تعادي فكرة ( عمل الأطفال ) التي يلجأ إليها كلّ من يدعي التحضر ، ويريد التفلسف في الحياة ، وإنما تري - من وجهة نظر قريبة جدًا من هذا العالم - مدي استعداد الطفل لأن يكون هكذا - فهنا تأتي التفرقة ، والتعامل مع الأطفال ، طبقًا للحالات الفردية ، ومقدرة ، وشخصية كل فرد . ويكفي أن د/ أحمد خالد توفيق أشاد بهذا العمل قائلاًعنه : أنه فتح جديد في أدب الميكروباص

*****

في ( قصة بكاميراتين )

تتحدث موهوبتنا عن أجمل علاقات العصر الحديث ، والعالم المعاصر، علاقة صداقة بين عقلين ، عبر الفضاء السايبيري ، رغم قراءتي لمعظم - إن لم يكن كل - أعمال داليا يونس ، تظلّ هذه الأقصوصة ، شديدة الأحساس مكثفةِ المشاعر ، هي الدرة بين كل ما كتبت . فهي تتحدث عن الصداقة العقلية التي تنشأ بين شاب وفتاه لم ير أحدهما الأخر ( حتي أنه اختلط عليها الأمر بينها وبين قريبه حينما ظنت أنها التقطه صدفة ) عن طريق النت .. يحدث شيء ما يعكر صفو هذه الصداقة الجميلة والبريئة .. فلا يعود نقاء كوب المياه الشهي الذي يغري بالشراب كما كان .. والنتيجة .. ؟ نترك كوب المياه ولا نحاول أن نعيد تكريره لنحظي به من جديد ..حل غريب .. وفكر أغرب ..المعتاد في مثل هذه المواقف أن نحاول تعديل الأوضاع .. إما أن تصير أفضل .. أو أن تصير أسوأ ..لكن أن نتركها كذلك كما هي وكأنها ( هذه الصداقه ) أجمل وأنقي من أن يضاف لها شيء سخيف مثل هذه ( الحركات ) نأتي بعد ذلك للحدث الغريب .. والذي ترك في نفسي إحساسًا غريبا .. وشعورًا جميلا وحزينًا في ذات الوقت .. هذه الأشياء التي يفعلها بنا القدر وكأنه يعبث بنا . المصادفات الغريبة التي تأتي في غير مواعيدها ..المصادفات التي لا داعي لها علي الإطلاق ..لو لم توجد هذه المصادفة لما وجدت الحكاية أصلا ..هما الإثنان في نفس الوقت قررا نفس الشيء .. وهذا أكبر دليل علي تشابه الفكر .. والروح .. رغم اختلاف البيئة والثقافة .. إنه هذا المعني الجديد للوطن التخيللي .حين يصير الوطن بعيدًا عن الأراضي والممالك البشرية ..يصير هناااااااك بعيدًا علي صفحات النت .. ومواقع الشبكة العنكبوتية .. حيث تجتمع أناس لم تمكنهم الأقدار من أن يلتقوا في عالم الواقع .. التقوا هناك في الفضاء السايبري ، حيث نقترب من الأحلام كثيرًا .. لكننا نحمل معنا أدلتنا علي وجود هذا الحلم الجميل ..علاقة كهذه من الحزين أن يعكر صفوها أشياء سخيفة تحدث بيننا كل يوم ..هي أكبر من كل هذه الأشياء السخيفة مجتمعه وحتي الأن لا أفهم كيف أمكن لمشاعر فتاه رقيقة ، ان تشبّه مثل هذه العلاقة بعلاقة ( جنديين قرويين من نفس البلد ، يقضيان فترة تجنيدهما في الجيش ) مثل هذه العلاقة لا يمكن أن يفهمها إلا من خبرها فعلا ( أنا الذي خبرتُ الجيش لثلاث سنوات ، أفهم مثل هذه العلاقة ) حتي أني أعتقد أنه قد لايفهمها إحساس رجل ، حتي لو قرأها دون أن يخبرها ، هذا يحدثنا عن روح شفافة ، شديدة النقاء . تتميز هذه الأقصوصة بالبساطة ، الشديدة في العرض ، والبعد عن التعقيد ، مع عمق الفكرة وفلسفيتها . ومعالجة (قصة بكاميراتين) يؤكد لنا رغبتها الدائمة في تكسير القوالب الجامدة ، وخيالها السينيمائي ، الذي يحتاج إلي الدراسة الأكاديمية ، لينشط ، ويقدم دررًا بليغة . وكما سيتضح لنا رويدًا ، نكتشف أين ينشط أدب داليا يونس ، أن مسرح أقاصيصها ، هو في أغلب الأحيان ، الميكروباصّات ، والحافلات ، حيث تقدم نوع مختلف من أدب المواصلات ، الذي يتحدث عن العامة ، ورجل الشارع المضطهد ، المثقل بآلاف الهموم . وهو نفس المسرح الذي ينشط فيه العديد من الكُتّاب الشباب الحاليين . والسبب ؟ أعتقد أنه الاختلاط الشديد بالشارع ، المزدحم بآلاف الشخصيات ، والنماذج ، البشرية المختلفة ، التي تثير الخيال، وتبعث المشاعر الأنسانية النقية من رقداتها الطويلة . مع المشاكل الإنسانية المتناثرة من أفواه الركاب ، وشفاههم المشققة ، والعلاقات الإنسانية المتفسخة ، كل هذا يمتزج بشطحات خيال المتفرج ، ليكون بالفعل ، الميكروباص ، أجمل مسارح الأدب المعاصر . وقد برعت فيه أديبتنا كثيرًا جدًا ، وقدمت جزء من عالمها الخاص عبره .

*****

( ستة أشهر معطرة.. ")

هل أحرقتِ رسائلي كما طلبت منكِ في الرسالة الأخيرة..؟ لقد حرصت على صنع أوراقها خصيصًا من ذلك النوع الفواح عند الحرق.. لا أريد أن تذكريني بكلمات كما قلت.. فأعلم أن الكثيرين قد قالوا لك الأكثر.. ولكن أريد أن أظل في ذهنك رائحة عطر.. ألف عطر.."

للعشقِ ألوانٌ كثيرة ، وللحلم ألف لونٍ ولون ، ولتلك البيسانةُ عطور الجنة . هنـــا منتحدث عن، السعادة التي لاتكتمل ، والبراءة المهددة دومًا بالفناء ، والأمل الواه ، الذي يقف علي حدود الموت ، فما أن نصل له حتي تسحقنا يد الحياة . براءة الكلمات ، وعشق الصور ، وألم الرومانسية ، (جنة ) الفتاة الرقيقة ، الحالمة ، تفكُ رسائل فارسها ، وتستحم في عطور الكلمات الحالمة ، التي تعبر عن عشق من نوع خاص ، عشق لايضاهيه عشقٌ أخر ، الوله ، الذي يجعلك لاتعرف ولاتريد أن تعرف حبًا أخر . تستمر الحكاية ، ويستمر الحلم ، حتي تطالعنا أديبتنا ،بأصل الحكاية ، وأصل الحب ، الحب الأبوي الفريد ، المتفهم ، الواعي ، القاسي ، المتألم. في أشهر ( جنّة ) الباقية ، تغرق داليا في عالم الأسرة النقي ، العالم الوردي ، ربما تكشف هنا عن حلم فارس الأحلام ، نادر الوجود ، الذي يحيا وسط الخيال وحده ، وسط هؤلاء الشباب المريض منعدم الأهلية ، فارس الأحلام في رأيها - كما أفهم من تلك الأقصوصة البديعة- هو صورة موازية ، ومشابهه لعشق الأب ، الأب المتفهم الواعي المحب ، والذي لا يري أحدًا ولا يري شيئًا سوي حبه لفتاته . فارس الأحلام الأبوي نادر الوجود . تلك هي المسألة .

في دمشق.. يصبح الناس ويمسون على رائحة الياسمين الذي تعانق أشجاره حدود السماء في كل مكان.. "أعيدوني لمن علمتني أبجديه الياسمين".. هكذا قالها نزار..فماذا لو عرف عن من عملتني أبجدية العطور كلها..؟" هذا عشق مثقف ، واعي ، يعرف كيف يصيغ الكلمات دررًا ، والمشاعر ، سلاسل من مرمر . ثمة عشق داخل داليا لعالم البنات ، البنات الملائكية ، حور العين ، كما وصفهم الله تبارك وتعالي : بقامتها الهيفاء.. وضفيرتها السوداء اللامعة الطويلة التي ورثتها عن أمها الراحلة.. تغمض العينين الخجولتين وتتنسم ذاك العبير بالأنف الإقَني الشامخ..قالت لها أمها يومًا أن هذا هو "مسك الليل".. رائحة عطرية غريبة هي مزيج من القرفة والينسون والأعشاب البرية والفل.. تركيبة عطرية من صنع الخالق العظيم يأتي الليل ليرشها على حواس الشم المسبّحة بعظمة خالقهما.. ولأنها مرتها الأولى.. فهي لم تتعلم بعد أن تؤمن بثلاثية الأبعاد.. قلبها الصغير يصر على ارتداء نظارة تعطي بعدًا واحدًا للأمور.. وهو بعد السحر…تفك الشريط وتفتح العلبة بأناملها العاجية.. تلتقط زجاجة العطر بيد.. وتنفض الرسالة المرفقة بالأخرى. (جنـّة ) هي رمز العالم الجميل ، الآســـر ، النقي ، الذي وُلـد معنا في طفولتنا ، وفي صبانا ، وقُدّر له أن يموت داخلنا في شبابنا ، بعدما التحمنا بالحياة ، وبالواقع المرير . جميعنــا نملك ( جنّة ) في دواخلنا ، فقط علينا أن ننتبه لها جيدًا ، ونحيطها بالإهتمام والرعاية ، وأن نودعها الوداع الأجمل ، بأن نجعلها تحيا أجمل أحلامها ، في أن تري العالم الذي كانته دومًا ، في نفوسنا يحيا ويستمر ، ويحاول البقاء ، وحين يحدث المقدّر ، ويرحل هذا العالم المراهق من نفوسنا ، سنلعب دور الأب ، المتفهم الواعي ، غير النادم علي العالم الجميل الذي عاشة ، لأنه استحلب منه أجمل قطراته ، وشعر بمذاقها الحلو بين لسانه ، وبين جنّة روحه. حتي الإسم يا داليا ( جنّة ) قمة التعبير ، والرمز . ستة أشهر معطرة : هي حالة جمالية نادرة في حكايات داليا يونس - كما تقول - وهي بنت جميلة حالمة -لها - ضمن أبنائها المعقدين المخبولين .

*****

( أحقًا هي الجميلة المنعكسة..؟ )

نعم .. هي الجميلة المنعكسة .. لبدايات داليا يونس ، طابع خاص محبب ، حالم ، شيء أشبه بالشعر ، بالموسيقي ، بالسوناتا الرقيقة . ولبداياتها ، مفردات خاصة ، تكوِّن مثل هذا السور الأسمني العملاق ، الذي يتحدث عنه د.أحمد خالد توفيق ، للعوالم الخاصة القوية . وسكتت الحساسين مصغية لما سيقول

معذورة النحلة

أنامله


لو تعرف ما أنت فيه من نعمة ..

أنت الوحدة صديقتك ..

وأنا الوحدة ..حتى الوحدة ..متحفظة معي !.

..................

ورقيقة كندفة ثلج ..

تلك التعابير الحالمة، هذا العمل ، أقرب ما يكون من الشعر ، تلك الكتابات الحالمة التي تقف بين الشعر ، والخاطرة. وتميل بزاوية حادة نحو الشعر . هنا تتحدث داليا عن التواضع ، التواضع الذي يصل إلي حد بخس حق الذات ، إذا كانت (وردة )بكل تلك الرقة والجمال ، والبهاء الذي تصفه الأديبة ، فكيف تكون هي ، وقد فضلها فارسها علي وردة ، ووصفها بالجميلة ، العالم الذي تتحدث عنه داليا يونس ، يذكرني بشدة بأسطورة من أساطير قبائل السلت الجرمانية ، تحدثت عنها ( ريم البراري المستحيلة ) في إحدي تدويناتها . العالم المختلف ، المجتمع داخل المجتمع ، العالم داخل العالم ، الدولة داخل الدولة ، البيئة التي آن لها أن تولد وسط هذا المجتمع الجشع ، الكبير ، الذي لا يهتم لأحد ، ويأكل كل شيء ، يهضمه داخل معدته الجبارة ، التي تسع كل شيء. حينما يولد هذا الكيان الناشيء ، ستتغير أشياءٌ كثيرة ، حينما يلج هذا العالم الحالم ، داخل حدود ممالكنا المتسخة بغباء البشر ، سيتغير وجة العوالم الأخري . وستولد الجنة ببطء علي حدود الكوكب . وأغرب ما فيه ..أنه لا يراني غريبة ! .. تلك ( الجميلة المنعكسة ) علي سطح الماء الرقراق ، هي الصورة المثلي للحلم ، للأمل ، والترياق المناسب ، لأمراض هذا الوطن المتكابر ، العجوز ، الذي عبثت الشيخوخة في رأيه فلم يعد يدرك غير أمجاد الماضي ، وألغي شيئًا يدعي المستقبل ، من سطر الحياة ، التي تمضي ، ولا تعبأ بأشباه الكائنات التي تحيا علي سطحها .

ترى .. ماذا يريد أن يقول ؟ ..

حلم التواصل والاتصال ، لقد خلق الله لنا ألسنةً ، وعلمنا لغات مختلفة ، لكن تبقي تلك اللغة البسيطة تعجز عنها الكلمات ، وتقف أمامها بلهاء . لغة المشاعر ، وحلم التواصل وسط العواصف الهوجاء. لقد أنتهت الأقصوصة - حسب تصنيف داليا لها - دون أن نعرف ما يود أن يقول . لقد لفظ كلمة حبٍ واحده - زادت بطلتنا حيرة علي حيرة ، وشقاءًا علي شقاء ، لأنها لاتعرف لمن وجهها . لو كان للعالم القادم ،الذي يتكوّن ببطئ في رحم المستقبل ، مشكلة، فهي مشكلة الإتصال ، مشكلة الإتصال بينه وبين نفسه . الغرباء كثرُ ، لكنهم لايعرفون أنفسهم .. لقد قال أستاذي : أحمد خالد ، من قبل :

( علينا أن نمسك أيدينا وسط العاصفة كي لا نتوه ) علينا أن ندرك أنفسنا ، ونجيد التواصل ..

*****

( مكاتيب فيروزية..)

وهو عمل مشترك ( مع السوري أحمد رمضان ) لكنه يحمل الكثير من فلسفة أديبتنا ، وعالمها الفيروزيّ الأثير ، تتحدث عن علاقة مراهقة بين فتاة ، وفتي ، من بلدين مختلفين ، نبتعد هنا عن عوالم النت المعقدة ، ونعود إلي الوسائل التقليدية التي تثري الخيال ، فهما يتراسلان عن طريق الحمام الزاجل ، وككل شيء جميل ، تنتهي الحكاية بسوء تفاهم بسيط ، وحوادث قدرية لا دخل لهما فيها ، هذه روح تحمل من الأسى الكثير جدًا ، وتفقد الثقة في هذا العالم الكبير ، الذي لا يرأف بحال الصغار ، واهتماماتهم الصغيرة البسيطة ، ومن جديد نلحظ هنا الفكر ، المتوتر بعض الشيء ، المتألم لفكرة الأقدار التي تنهي كل جميل ، والراضي بها في ذات الوقت ، هو اعتقاد عجيب بأن الجميل في حياتنا ،ينتهي ، ولايبقي منه سوي الذكري الجميلة التي نعيش بها ما بقي من عمرٍ ، ويتكون بداخلنا أيضًا ، هذا الحزن النبيل ، الذي خبر الحياة ، وفهمها . لكن الكاتبين أجادا وصف هذا العالم ، وتلك الأجزاء المجهولة من حياة الشباب الصغير المراهق ، أجادا وصف أجواء المراهقه العذبة .. اللحظه التي يتفتح بها القلب البكر .. وينطق بأعذب كلمة في الحياه .. ( أنا أحب .. أحب .. أحب … ) اللحظة التي يفض فيها بكارة الطفوله .. لنجد خلف الغشاء الرقيق عالمًا عذب .. يسبح في مفردات عذبه .. وأحلام هائمه .. وندخل الخيال من أوسع أبوابه .. وقتها نتعلم سحر الحياه .. وقسوتها ..وقتها ندرك كنه الحب .. ونعجز عم أدراك كنهنا .. وأدراك الحياه ..لكن للأسف .. أحيانًا .. نستيقظ من الحلم سريعا .. قبل أن نستمتع باللحظه الفريده التي نتيقظ فيها بكسل ونتمطي ..أحيانًا يجدث هذا .. لا غالبًا يحدث هذا ..ونبقي بقية الحياه .. في حاجه إلي لحظة نومٍ أخري .. من الأحمق الذي أيقظني .. ؟؟؟؟لم آخذ كفايتي من النوم بعد !

*****

( سأقتلها حتمًا.. سأقتلها بالتأكيد!)

روح الطفله التي تهوي العبث ، واللعب الطفولي البريء ، الحميم - كما قلنا - هنا تستخدم داليا أسلوب التيمات ، الجملة التي تتكرر باستمرار قد يصل إلي حد الإستفزاز ، مع لمحة ماسوشية أضافت جو فني شديد الإيحاء علي السرد القصصي ، والنهاية الصادمة التي لم يتوقعها القاريء في بداية العرض القصصي الحميم ، لكنه يكتشفها مع الشخصية المحورية رويدًا ، حتي يصل إلي الصدمة ، التي قصدتها القاصّة منذ البداية . لو تريثنا بعض الوقت ، لوجدنا تلك الروح التي تحدثنا عنها تطل علينا من جديد ، الروح البريئة الحالمة ( المتمثلة في البطلة ) التي تحيا أحلامها الخاصة ، ومشاعرها في هدوء ، ثم تصطدم بالبيئة الرافضة ، أو غير المدركة لهذه الروح ، فتجبرها علي اتخاذ خطوات أخري ليست ضمن خططها ، وأسلوب حياتها بداخلها هي ترفض هذا التدخل ، وهذا الإجبار ، وتقاوم بكل عنفوانها ، وبعيدًا عن واقعية تصرف البطلة من عدمه ، إلا أن هذا هو ما تراه داليا ، في سبيل الوصول إلي أهدافها ، وتحقيق أمالها ، لقد بدا أن نزعة الانتقام ، أو اليأس القاتل ، تعدت الحب المستحيل الذي تراه أمامها ، ولا تستطيع الوصول إليه بشكل ما أري أن في هذا التصرف نوع من الأخلاق ، أو السمو الروحي ، هي لن تهرب مع حبيبها ، بعيدًا عن أهلها ، وتتزوج رغمًا عن الجميع ، لقد فضلت الإنتحار ، علي هذا الفعل ، ( هنا لا أتحدث عن الواقع ، ولكن عن خيال الكاتبة ، ومنطقها ) لو كان يرمز هذا إلي واقع الأديبة ، فسنري أنها فضلت أن تقتل الحلم في داخلها ، وبالتالي موتها هي رمزيًا ، وانتحارها ، علي أن تفعل شيئًا يغضب من حولها ، أو حتي يضايقهم هكذا يتأكد لنا ببطء ، قسوة التجربة التي كانت تعانيها ، أو كانت تعرف أنها تعانيها ، في دخول كلية لا تحبها ، بل تكرهها كذلك ،( تاريخ القصة 7/7/2002 ) أي كانت علي مشارف دخول الكلية إن لم تدخلها فعلا .

*****

( أحترف الحزن )

هذه قصة مشتركة ( بين داليا يونس و م.س .أحجيوج ) لكنها تفوح بمفردات داليا يونس ، خاصة في اختيار أغنية " بيسان " لفيروز ... ( أضافات وقوة أسلوب م.س واضحة كذلك في العمل ،، وهو عمل مميز جدا بالمناسبة ) . فيروز التي تستقي منها داليا كل عوالمها ، ومفرداتها ، وربما فلسفتها كذلك . فهي - هذه الأقصوصة - مدًا مع تيار الكتابة عن العمليات الإستشهادية التي لن تهدأ ، في فلسطين ، استُخْدمت فيها الأغنية بحرفية عالية ، واحساس راقٍ ، وصيغت مفرداتها ، مع نشرة الأخبار ، بأستاذية. ثمة فلسفة أخري ، تتحدث عن جمال الجوهر ، وارتباطه بجمال المظهر ، هناك عدة تباديل وتوافيق ، يمكننا إجراءها ، لكننا لن نستطيع أن نؤكد علي إحداها ، وأيهما يرتبط بأيهما أكثر ، جمال الروح مع جمال المظهر ، أو جحمال الروح مع عدم جال المظهر ، ... إلخ أنا مع هذا الرأي ، حتمًا لا يوجد قاعدة ..

*****

( لعبة القرار ) الروعــة . كلما تذكرت هذه الأقصوصة ، تقفز إلي ذهني كلمة واحدة ، الروعة ، لو لم تكن هذه روعة ، فماذا تكون ذن ؟ هنا هي تستخدم الحوار ، فقط الحوار - عدا الجزء الأخير ، الذي استخدمت معه السرد بشكل خاص جدًا يشبه الشعر في روحه العالية - أنا احترم جدًا مثل هذه النوعية التي تستخدم الحوار فقط ، لأنها تشي بإحساس عالي جدًا ، وقدرة علي توظيف الكلمات ، وتوضيح المكان والزمان ، والحدث ، في داخل الحوار ، لو كانت أكملت -داليا - الحوار حتي نهاية العمل لصار تحفة فنية فعلا . الحوار عبارة عن محاكمة طفل فلسطيني في السابعة ، وإن أتت ردود ( أحمد ) - الطفل - الواعية غير مناسبة لسنّه ، وعمره الصغير ، إلا أن هذا قد يوحي بأن الألـم ، والحرب ، والدمار النفسي ، قد ألغي من حياة أطفال فلسطين معني الطفوله وبراءتها .. الحوار ذكي - كما قلتُ - و جعل العمل من أجمل الأعمال التي تتناول القضية الفلسطينية ، إختيار لحظة الحكي أيضًا ، العصيبة ، الجميلة فنيًا ، لتعقد المقارنة بين مستقبل طفلين ، والتهمة - التي لا أعرف أتدعو للسخريةِ أم الألم - هي أن الطفل الفلسطيني خَيَّر الطفل الإسرائيلي ، بين ثلاث ليمونات ، قائلا : ( أمامك أخذ ليمونة مرّة لك ، وأخذ ليمونة مرّة لك ،وأخذ ليمونة مرّة لك ) إنه ببساطة الخيارات الإسرائيلية للشعب الفلسطيني ( القتل ، الحرب ، الاستيطان ) هذه جريمة تمارسها إسرائيل دون أن يتحرك العالم... وحين يلعب بها طفل فلسطيني مع آخر يهودي .. تقام للعرب محاكمة ، ويكون الحكم العادل : ( محكوم عليك أن تقبّل قدم سيدك إيزاك ) ـ العملية ليست إذن سوي كسر هامة ، وإعدام كرامة ، ليست مجرد احتلال فقط ، وإنما إذلال هويّـة. والنتيجة :: لقد اختار الطفل الفلسطيني الاستشهاد ، عن الخنوع والخضوع ، ملحمة رائعة يقدمها الشعب الفلسطيني ، ويسطر حروفها بدمائه ، وحياتهِ ذاتها ، هذا عمل ، قوي ومؤثِّـر جدًا . وإن كانت فيه مسحة من السخرية ، فهي تلك السخرية الأليمة ، التي تبكي عيوننا من أجلها ، ولا تتقلص لها شفاهُنا ،إلا بالألم ، والانكسَـــار

***

الإثنين، ٢ أبريل، ٢٠٠٧

رحلــة إلي " شقة " العمر


حينما خرجت من هذا الفيلم العبقري ، الذي يجسد خبرة وتاريخ مخرج قدير ، وبديع مثل " المايسترو " محمد خان ، كانت كل خلجه من خلجات قلبي ترتجف بالحب ، وبالسمو الروحي الجميل ، أحلم ، وأهيم في عالم الملائكة ذوي الأجنحة الخضراء الشفافة ، وقد رحلت عن هذا العالم الغريب ، الذي لا يصلح لأمثالي ، ولأمثال المايسترو : محمد خان ، وإذا بي وأنا علي هذه الحالة ، ألتقط بطرف أذني عبارة من شاب وفتاه خارجين معي من دور العرض ، والشاب يقول بتأفف لها : ( هو ده الفيلم الخنيق اللي أنتي عايزة تدخليه ) لترد عليه بأسف : ( معلشي يا حبيبي ، بس في ناس - الله يسامحهم بقي - قالوا لي أنه كويس ) ينظر لها نظرة من نوع : طب يا ختي فالحة منك لله

وفتحت فمي في بلاهه ، وقفت مكاني بينما الأفراد القليله التي دخلت تشاهد الفيلم معي ، تدهسني من الخلف
رباه ، هل وصلت السطحية بهؤلاء حد إنكار روعة وعبقرية مثل هذه النوعية من الأفلام البديعة التي تشابك كل ما فيها ، ليخرج لنا عمل بديع شديد الإتقان لهذه الدرجة
يبدأ الفيلم بلقطة عبقرية ، رغم تقريبًا تقليديتها ، وقربها من بعض أوبيريتات ليلي مراد ، التي اخرجها فنان أعشقه بشكل خاص جدًا هو ( أنور وجدي ) الذي لم أجد مخرج عربي واحد علي مر العصور به لمحه واحده من ذكاءه وتفرده وتميزه ، وموهبته الرهيبة
تمثل اللقطة مدرسة موسيقي حالمة ، تشرح لتلميذاتها الصغيرات ( 14سنة ) تقريبًا ، فلسفة أغنية ( قلبي دليلي ) ، وكيف كانت تشعر بوجود حبيبها ، وكيف خلق البشر جميعًا من صُلب رجل واحد هو ( آدم ) عليه السلام ، بالتالي هنا دائمًا أجزاء منا ، تشعر بحنينها لأجزاء أخري ، ليتكاملوا معا ، ثم تنهي رومانسيتها بنكتة خفيفة تُضحك التلميذات كثيرًا ، قبل أن تغني " أبلة " تهاني مع تلميذاتها الأغنية بشكل جميل جدًا ، تشاهدها ناظرة المدرسة ، وفي عينيها لمحظ عتاب ، بعدها ترحل المدرسة ، كل هذا بلغة النظرات والصور دون كلمة واحده ، مما يدل علي تمكن تام من استخدام وفهم لغة الصورة
تمر السنون ، لقد ارتبطت إحدي تلميذات " أبلة " تهاني بمدرستها جدًا ، اعتنقت لفكر الرومانسي ، وظلت تراسل مدرستها ، حتي صارت شابة ناضجة ، قَرُب أن يفوتها قطار الزواج ، وهي لا تزال تبحث بجنون عن توأمها الذي تعرف بوجوه ، لكنها أبدًا لا تجده ( قد يتشابه هذا مع فيلم أمريكي أخر - لا أذكر اسمه للأسف - كان فيه البطلان يستعدان للزواج من طرفين أخرين ، بدون حب ، وإن كانا في قرارة نفسيهما يعتنقان مبدأ رومانسي مشابه : هو أنه سيعرف الطرف الذي يحلم به ويتمناه بمجرد مشاهدته ، فتحدث حادثة طريق للطرفين ، يتقابلا ، وفي اعتقادهما بلحظة الموت يتكشفا تلك الحقائق التي ظلا عمريهما يعتقدان فيها ، رغم أنهما لم يتقابلا من قبل ، ينجوا من الحادثة ، لتنطلق أحداث الفيلم بعدها )
أقول قد يتشابه هذا وذاك في اعتقاد البعض ، لكني أري أنه لمحة رومانسية ربما شرقية جدًا ( كما يقول الأقدمون - فولة واتقسمت نصين-) كل نصف يبحث عن نصفه الأخر ، لا أعتقد أن هناك أي تشابه بين الفكرتين
تستمر أحداث الفيلم ، لقد صارت ( نجوي ) التلميذة النجيبة ، خلفًا لمدستها العزيزة في المدرسة ، وهي تستعد الأن لرحلة مدرسية مع بعض التلميذات ، وصديقاتها إلي القاهرة ( مسرح الأحداث الأول بإلمنيا ) ، تتفق مع صديقاتها أنها ستذهب إلي أبلة تهاني ، في شقتها في مصر الجديدة ، لكن الأحداث تؤكد أن تهاني تركت شقة مصر الجديدة منذ زمن ، وكل خطابات نجوي تذهب إلي الساكن الجديد ، الأستاذ " يحيي " المحاسب ، وسمسار البورصة ، الذي يطّلع علي الخطابات بزهق ، قبل أن يركنها إلي جوار بقيتها
"يحيي " شاب شبه مستهتر ، لا يؤمن بنجاح أي علاقة زواج ، وهو يرافق " داليا " المطلقة الجميلة، التي تعتنق ذات مبدأ كراهية علاقة الزواج ، التي يضطر فيها الطرفين للكذب علي لطرف الأخر ، لاستمرار العلاقة ، فقط
تذهب ( نجوي ) الحالمة إلي مصر الجديدة ، وهي لا تعرف بكل هذا ، تصدم بوجود أخر في الشقة ، قبل أن تكتشف العلاقة غير المشروعة بين " يحيي " و " داليا " ، وتستمر الأحداث : نجوي تبحث عن مدرستها بجنون وبإصرار عجيب ، تنام في بيت للمغتربات ،



لأن القطار يفوتها ، تبحث في كل دفاتر تهاني القديمة في محاوله لأيجاد طرف الخيط ، رغم أن كل من حولها يؤكد أنها ماتت أو انتحرت
فلسفة الفيلم بليغة جدًا ، وقد استخدما كلا من المؤلف ( وسام سليمان ) والمخرج ( محمد خان ) لغة الرموز باحترافيه عاليه جدا
تهاني لا ترمز إلا إلي العالم الرومانسي ، ورمز الحب ، والأخلاص ، التفاني ، الكل يؤكد موت تهاني ، وموت الرمز ، حتي من كان يعتنق الرمز ، ويحب تهاني ، في علاقاتها السابقة ، بينما التلميذة النجيبة ، ترفض كل هذا ، ترحل من بلدتها في محاولة للبحث عن الحب الحقيقي ، في سبيل إيجاد الرمز ، وإثبات وجوده حتي الأن
الرحلة ، رحلة إثبات ذات ، وبحث عن كنز في طيات نفوسنا ، نحتاج فقط أن نزيلالتراب المهال عنه، ليتكشف معدنه الجميل ، وحجره الكريم
موسيقي "تامر كروان " الرقيقة الحالمة ، أغرقت الفيلم في بحر الرومانسية الهادئة ، غير الصاخبة ، وكاميرا " نانسي عبد الفتاح " كانت تتنقل بحرفية ، وفهم عالي جدًا ، وإحساس بديع ، باستخدام الظلال في معظم المشاهد بشكل قمة في الإثارة ، والتشويق ،، إخراج المايسترو " محمد خان " الذي يمثل ثكثيف سنواتٍ من الخبرة ، وعبقرية الإحساس ، وتجسيده ، في رقه وبساطة وأستاذية
كيف تنتهي الأحداث ؟
لقد ترك " يحيي " رفيقته" داليا " ، وبدأ يفكر في حاله ، في عالمه الذي يحياه ، بدأ يميل لرقة ، وبراءة " داليا " يجري ورائها بالموتوسيكل الأبيض في أحمر ، الذي أعتقد استخدمه " محمد خان " بديلا عن بيجاسوس ، الفرس الأبيض المجنح ، الذي يأتي به فارس الأحلام ، ليختطف عروس البحر ، علي متنه ، راحلاً إلي العوالم الأخري فوق القمر


لقد عادت تهاني ، وأرسلت لتلميذتها خطابًا ، تؤكد فيه أنها بدورها وجدت ما كانت تبحث عنه ، من حب كانت تعرفه قبل أن تأتي إلي هذا العالم ، وهي سترحل الأن من توأمها إلي اليونان
الرمز لم يمت ، إنه باقٍ إلي الأبد ، فقط هو يحتاج إلي كثير من الصبر ، والصدق في البحث
ينتهي الفيلم بأكثر مشاهده قوه ، وتأثيرًا ، ورقة كذلك ، لقد انطلق "يحيي " يبحث عن " نجوي " التي سترحل إلي بلدتها الأن ، يجدها راكبة التاكسي ، يختطفها منه ، لينطلقا معًا إلي محطة القطار ، تحجز التذكرة ، يركضا معاً ، ليلحقا القطار الذي أوشك علي لرحيل ، وكأنها لا يجب أن تلحق بالقطار ، قبل أن تجد ما كانت تبحث عنه ، وبينما هي فوق القطار ، وهو علي الرصيف ، تسأله عن رقم تليفونه المحمول ، فيخبرها به 012351610تقريبًا ، تجلس فوق مقعدها ، تعيده في سرها ، تغلق عينيها ببطء ، تغمر الموسيقي الحالمة الشاشة ، بينما صوت ( نجوي ) في الخلفية ، تكرر بكل حب
زيرو، واحد ، أتنين ، ثلاته ، خمسة ، واحد ، سته ، واحد ، صفر
زيرو، واحد ، أتنين ، ثلاته ، خمسة ، واحد ، سته ، واحد ، صفر
زيرو، واحد ، أتنين ، ثلاته ، خمسة ، واحد ، سته ، واحد ، صفر
تظلم الشاشة ببطء ، قبل أن نجد إهداء نهاسة الفيلم :: إلي ليلي مراد ، رمز الحب والجمال ، عبر الأجيال
صدقت ياأستاذ
ببطء أقوم من مجلسي ، بينما تلمح عيني عن يميني ، في أخر الصف الذي أجلس فيه ، سيده ف منتصف العمر ، جميلة هذا الجمال الأرستقراطي ، كانت تجلس وحدها ، وبينما الناس تتدفق إلي الخارج ، قامت ببطء ، وضعت كفيها في جيبي معطفها الجلدي الأنيق ، ثم تغمض عينيها ، وتترك نفسها إلي التدفق البطيء يأخذها إلي الخارج